دينا عاصم: خواطر مكسورة

دينا عاصم: خواطر مكسورة

“سامحوني فقد قالت لي .. اكتبي لتتخطي المحنة”

“القاهرة 3 فبراير”

كنت قبل أقل من شهرين أرى الحزن عورة لا بد وأن نخبئه بعيدا عن أعين الناس…خصوصا في بدايته وعنفوانه..

مواجهة الموت واقترابه مني بدرجة شديدة كأن أمرض بوباء مثل كورونا ويرحل أبي وأمي شهيدين – وكنت احيا بهما – فجأة….

كان صفعة شديدة  أطاحت بي ورمتني أرضا….

لحظات سريعة خاطفة ووجدت نفسي مذبوحة على قيد الحياة..أشعر بكل شيء.. الم فظ ياكلني ..عقلي لا يستوعب اختفاءهما المفاجىء… يكذب الحقيقة الوحيدة في دنيانا…أرى الموت رأي العين يبتسم لي…لا ادري أهي ابتسامة من ربح الرهان أم أنه حزين حقا لأجلي..

هذا الاقتراب من الموت يغيرنا ويخلق منا اشخاصا اخرين..نصير بلا مخاوف فكل ما كنت تخافه وتخشاه وتهرب حتى من التفكير به وكل ما كنت تراه بعيدا.. حدث… خلاص..

———

فقدان ذاكرة مريح

“القاهرة منتصف يناير”

معالجة نفسية “وصديقة” ساعدتني وتساعدني على تخطي المحنة..نصحتني أن أكتب حتى أخرج سريعا من مرحلة denial  الإنكار فمازال للحزن مراحل اخرى اصعبها الغضب anger ثم اصل لآخر مرحلة وهي القبول acceptance  وحتى لا اتعثر في أية مرحلة علي بمغادرة فراشي وعدم الصمت الذي الوذ به…

يجب أن أرد على التليفون وأستقبل العزاء…العزاء؟ حقا رحلا؟ وكلاهما في ذات الوقت كما كانا يتمنيان على الله؟؟…

قلت لها كرهت الكلام وأكتفي بأقل قدر منه للضرورة.. قالت لعلها الكتابة تنقذني من مرحلة الإنكار التي ترى الطبيبة انها طالت أكثر من المطلوب واثرت على ذاكرتي جزئيا فأسقط دماغي كثيرا من تفاصيل المرحلة الاخيرة والتي اصبت فيها بعدة صفعات متتالية انتهت باصابتي بالكورونا ثم استشهاد والدي ووالدتي في أيام معدودة..

كان على عقلي الإنساني الضعيف أن يسقط بعضا من التفاصيل والأشخاص متشبثا بماض جميل  ورافضا لشهوره الاخيرة…فقدان ذاكرة مريح نسيت خلاله الكثيرمن الأشخاص والاحداث ..البعض قال باقي أعراض كورونا والبعض قال ضغط نفسي وقالت طبيبتي “كوكتيل مركز من الألم والفقد” يجب أن يسقط العقل بعضا مما يختزنه متحايلا على أحزانه

أستيقظ كل يوم على أمل أن ما حدث كان حلما وأني سأسمع رنة الموبايل وياتي صوت ابي الحبيب يسأل عني وعن تفاصيل التفاصيل ويخبرني بما اعده لي هو وماما من طعام أو ترتيبات…

يخبرني انهما ينتظراني وانه لا يجب ان اتاخر وينهرني حين يعلم اني لم أتناول افطارا جيدا…لكن الموبايل يرن كثيرا ولا يأتيني صوت أبي وأمي الصباحي…كرهت الموبايل وصار صوته يفزع أولادي فما تلقينا منه في الأيام الأخيرة إلا أخبار الحزن والخذلان..كلما رن تصرخ إحداهما “مترديش” تختطفه إحداهما لتترك لي وقتا للراحة…للنوم…للهروب من كلمات العزاء…

———

أيامنا الحلوة

ازورهما في الصباح فأجد ألذ ما تشتهيه نفسي واجد حتى غدائي معدا مقدما لأني ذاهبة الى عملي حتى المساء وفي المساء لا بد وان اعاودهما (واخد العيال)ولكني ارفض ان اعود لبيتي …انام على “الكنبة” أمامهما رافضة حتى أن اذهب إلى حجرة أخرى فأحرم من انفاسهما حولي…

أعود إلى بيتي وقلبي معلق بهما دون ان اشعر اني تركته هناك ويأتي صباح الإجازة فأهرع إليهما مبكرا مرة اخرى قبل ان يستيقظ “العيال” وينافسوني في الحب والتدليل، اذهب لهما مثقلة بالهموم فيفسحان لي مكانا بينهما على سريرهما ذي الرائحة المعطرة دوما…لا أدري هل هي رائحة الصابون ام انها امي برائحتها الحلوة التي لم تتغير منذ كنت طفلة فأختبىء تحت ذراعها الحنون والتصق بها لأعود طفلة والمح ابتسامتها الحلوة..

يتنهد هو “أبي” ويجلس معتدلا ليفسح لي مكانا أكثر بينهما ويمسك بجريدته فتنهره هي قائلة “سيب الجورنال وحضر الفطار لبنتك) …امسك بذراعه(يا بابا اقعد مش عاوزة افطر انا فطرت خلينا نتكلم) لكنه يقول بتصميم (عشر دقائق ولن اتاخر)…

______

رحيل التفاصيل

أستيقظ في الصباح على نهر دموع لا يتوقف، فها هو يوم آخر وما حدث لم يكن حلما…أظل في فراشي لا أدري ماذا يفعل بي حتى اسمع أذان الظهر فاقوم متثاقلة في محاولة التعاطي مع يوم آخر بدون تفاصيل.. وآه من التفاصيل حين ترحل فجأة…ا
—‐—–

بصيرة

هذا الحزن ..غريب إنه يقربنا من الله ..يطهرنا الألم… هذه الصرخات التي لم تخرج للنور ولم تسمعها أذن، يسمعها االله..

وهذه الدموع التي لا تتوقف تصقلنا وتمنحنا شفافية فينفذ النور لداخلنا ونبصر ما كنا لا نبصره في الآخرين…من يحبك حقا ومن يكرهك…تتمنى لو كنت بقيت جاهلا بنفوس البعض لفرط قبحها وظلامها…النفس البشرية مخيفة حقا..!

كلمات العزاء كلها متشابهة ولكن الله يدهمك بنور يجعلك تطلع على بعض السرائر فتعرف من يحزن حقا لأجلك ممن يجامل بكلمات جوفاء ممن يشمت…نعم هناك شماتة في الموت..تخيلوا !..

هناك من يشمت لأنك حرمت من أحبابك وكان يحسدك على وجودهما وارتباطك بهما…هناك في القلوب أنوار وفتوحات ربانية ..وهناك ظلمات.. أعان الله أصحاب القلوب المظلمة على تلك الرائحة الكريهة للحقد التي تنبعث من كلماتهم ولا يستطيعون كتمانها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s