د. محمد لطفي: حبابة حمرة

حبابة حمرة رحمها الله

د. محمد لطفي: حبابة حمرة

كان شائعا” عند العرب أن يسمّوا مواليدهم اسما يوافق نظرتهم الأولى له حين يولَد. وهكذا، سمّوها عند ولادتها (حمرة) لاحمرار بشرة وجهها عند ولادتها.

وكعادة أقرانها، زوّجوها ما أن بلغت الحلم لأحد أبناء عشيرتها التي كانت تسمى (حلاوة)، والاسم هنا ينطبق فعلا على مسمّى العشيرة لحلاوة وجوه بناتها وبهاء طلعة رجالها ولباقة حديثهم ووناسة معشرهم.

سرعان ما كَبُرَت حمرة، وأصبحت أم عيسى. ثم أنجبت ثلاثة من الذكور وعديد البنات غيره.
كان أبو عيسى رجلا عصبيا سريع الانفعال، ينفجر إن رأى غلطا أو شَهِد منكرا، لدرجة أن لقّبَه أقرانه (كبسون)، وهو الصاعق الحساس الذي يفجّر المقذوفات حال تحريضه. وكان على حمره أن تتكيّف مع طباع الرجل، وتصبر وتتحمّل سرعة تقلبات مزاجه، وإلا فالعقاب بالانتظار، حالها حال كلّ نساء العرب في ريف الجزيرة السورية، بل في معظم بيوتاتنا آنذاك.

على أن الرجل اشتهر أيضا بأنه (حقّاني)، فلا زال أبناء المنطقة يروون كيف أنه أصرّ أن يدفع ثمن الأرض الّتي منحَه إياها الإصلاح الزراعي، بعد أن صادرها واستملكها من أصحابها الأصليين، وهكذا، كان (بيت الكبسون) هو البيت الوحيد الذي يتمتع بثقة واحترام أكراد قرية (كوپَر لِك) آغاوات الأمس القريب قبل أن ينزع ملكهم حكم البعث البغيض.

كانت أم عيسى تعمل جنبا إلى جنب مع زوجها، لتنمّي الملك ( الحلال ) الّذي بات جميع (المنتفعين) الآخرين يحسدون (كبسون) عليه. وسرعان ما لوّحَت شمس الجزيرة بشرةَ (حمره) الوردية، لتحولها داكنةً، ولكنْ لمّاعةً كلون القرميد الناري.

على أن أبا عيسى بقي يفتتن بحسنها وبهاء وجهها رغم نيل السنين من قوّته وفحولته، وهكذا نصَحه بعضُ أترابه بتناول حبوب المنشطات لكي يستعيد شبابه ويجاري ريعان وحيويّةَ زوجته الحمراء.

وذات مساءٍ صيفي حارٍ كقيض الرّقةِ اللهّاب، يقرر أبو عيسى تناول كامل علبة حبوب المنشّط دفعة واحدةً، علّه يحظى ثانيةً بليلة حمراء هنيّةٕ مع (حميرائه) الغالية، ولكن قلب الرجل الذي أنهكه شقى السنين لا يتحمّل تلك الجرعة الزائدة من الدواء، فيموت (كبسون)، وتبقى (حمرة) أرملةً بقيّة العمر من بعده، تصارع مع أبنائها تقلبات الزمن وتحدّيات حيات بيئةٕ ريفيّةٕ بالغة القساوة، ظالمةٕ في معظم قوانينها ونواميسها.

كانت تزرع وتقلع وتحصد، وترعى الغنم، إلى جانب متابعتها لحياة الأولاد والبنات ومن ثَمَّ الأحفاد، الّذين سرعان ما تكاثروا حولها، لدرجة باتت تخطئُ بتمييز أسمائهم أحياناً.

ولكن أم عيسى لم تكن لتخطئ بحقّ أيّ من جيرانها أو ممن تتعامل معهم من البيّاعين الّذين كانوا يجوبون القرى، يقدمون بضائعهم وما يلزم لشؤون الحياة المنزلية، ويقايضونها بما تجمعه النسوة من بيضٕ وسمنٕ وشعيرٕ وغيره من منتجات البيت.

ويرِثُ عيسى، الابن البكر، سمعةَ أبيهِ الحميدة، وكثيرا من خصاله الطيبة وشمائله الكريمة.
أذكُر فيما أذكرُ، أنّهم بنَوا في طارف الحوش الغربي داراً جعلوها (أوضة)، يستقبلون فيها الضيف في النهار وفي الليل، ويقومون على حسن وفادته وضيافته. وكان بعضٌ من البائعين الجوالين يتعمّدون أن ينهوا يومهم في قرية (الحرّية)، لعلمهم أن أوضة آل (كبسون) تبقى مفتوحة لتؤويهم ليلتهم تلك، بعد تناول ما يقسمه الله وما تصنعه (حمرة) وعائلتها من زادٕ ومشرَب.

تتوالى السنون، وتحفر على وجه أم عيسى أخاديد امتحانات الزمن ونواكبه، ولكن حلوَ ملقاها، ورحابة مبسمها لم يستطع الزمن أن يأخذ شيئا ألقهما رغم خفوت بريق العينين الملاحظ يوما بعد يوم، ورغم تطاول زفرات التحَسّرِ، على ماضٕ، كان على الأرجح أجمل وأكثر هناء.

كنت ذات يومٕ ربيعيّٕ عندهم في تلك الأوضه، وكان موسماً للتجبين، فأخبرتهم برغبتي بعمل شيء من جبنة الغنم التي تشتهر بإنتاجها بوادي الرقة الخيّرة. فما كان من أم عيسى، أو (حبّابة حمرة) كما بات الغالبية ينادونها آنذاك، إلّا أن دقّت صدرها براحة يدها اليمنى وقالت: آني أجبنلْك اياها بعيوني، بس والله يادكتور، انت تعَرِف، غنما قليِّلْ، وحليبنا زاد مو مانيَّه (أي ليس بوافر).
وهنا أشار عليٌ أحدهم بجمع الحليب من البيوت التي تمتلك السّحت  (الماشية) في القرية، وهذا ما حصَلْ.
صنَعَتْ حبّابه حمرة الجبن وقطّعته وملّحته، وأحضرته لي في المساء.

لم تكن علامات الرضا باديةً على محيّاها كالعاده، قالت لي:
محمّاد، لاتزعل مني، طلَعَن گليلات، الحليب الجاني چان كلّه مخلوط مَيّه ياوليدي، إلّا حليبات قوم الشيخ عبد، چانن مثل الخاثر.
لم يكن بغريب على بيت الشيخ عبد، ذلك الرجل الّذي ورِثَ المشيَخةَ من نسَبه النعيميِّ الشريف، والبَرَكه عن جدّه الدرويشُ الّذي أوقَفَ مرّةً القطار المارّ قرب خط الحدود التركية بإيماءة من يده، عندما قال له: (هوووش ياجحش الله).

تشهد أم عيسى زواج أبنائها وبناتها جميعا، وبعض الأحفاد ووِلدَ بعضهم أيضاً، وتصبح حبّابة حمرة لاحقاً، جَدّةً  لإمبراطورية آل كبسون.

لم تسلَم أم عيسى من المحَن والمصائب التي حلّت بالسوريين أجمع، خاصةً بعد أن استولى أكراد (قسد) على معظم قرى تلك المنطقة، فيما استعاد (آل كوردو) وغيرهم، جميع الأراضي التي انتزعها منهم حكم البعث بمقتضى قانون الاصلاح الزراعي المشؤوم في ستينيات القرن المنصرف، إلّا أن آل كبسون لم يقربهم أحَد، كونهم دفعوا آنذاك طواعيةً ثمن الأرض التي اقتُطِعَت لهم، كي يأكلوا رزقها حلالا.

في ظل الحرب، وتهجير الجوار، وفقدان بعضهم، ورحيل الكثير من الأحباب طلباً للأمن والرزق، كانت أم عيسى تذوي وتذوب يوماً تلو الآخر.
لم تثنها السنون القاسية، ولم يلوِ عزيمتها شظف العيش ورحيل زوجها المبكِر، ولكن الحرب والتشريد والدمار نالوا منها الكثير.

عاشت حمره مايقارب الثمانين عاماً بهدوء وسلام وتسامُح.
ورحَلَت أم عيسى بالأمس عنا لجوار ربها، بكل هدوء وطمأنينة، لم لا، وهي التي كانت تتقي الله بعباده في كل عمل ونفس.
رحم الله (حبّابة حمرة)، ذلك المخلوق المعجون بالحُب والخير والعمل والأمل.

لاحّد عليچ حبّاب …
هيچ تروحين وماتودعيني
چنت بس اريد احب على راسچ
بخاطرچ حبّاب … وسامحينا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s