عبد الغني حمادة: سيف من خشب.. يوميات كورونا 4

عبد الغني حمادة: سيف من خشب.. يوميات كورونا 4

زي بوست:

سهرنا حتى افتر ثغر الفجر، مؤذنا ببداية يوم جديد متخم بالقلق والخوف والصدمات المتتالية مع كل مساحة جديدة من العالم ينتشر فيها هذا الوباء القادم من حيث تشرق الشمس، من بلاد يأجوج ومأجوج.
ومع كل يوم يزداد عدد المصابين والوفيات بالكورونا.
وباء لا ينفع معه سلاح حتى الآن رغم التطور العلمي المذهل، وكأن الأطباء والعلماء يحاربون هذا الكورونا بسيوف من خشب!!..

تخلل سهرتنا الكثير من الأمور الهامة، لعل أولها التركيز على النظافة الشخصية أولا، ثم نظافة البيت، والإكثار من فيتامين ( C )، والتقليل من التزاحم والتلاحم.
قبل عصر الكورونا، كنت أمتعض سابقا من اهتمام زوجتي الزائد بالنظافة والجلي والشطف، إلا أنني ومنذ هجوم ( مستر كورونا ) السافر المقيت بت أثني عليها، بيني وبين نفسي، طبعا، دون أن أسمعها كلمة شكر أو امتنان، لئلا تسقط هيبتي أمامها.
وزيادة على ذلك، فقد جلبت كولونيا مطهرة، ومحارم ورقية، وأدوات تنظيف أخرى، كإثبات حسن نية، وتأييدا لتصرفاتها أيضا، وتعاضدا معها.

سهرنا طويلا، لنقتل النهار في النوم، وبذلك نكون قد طبقنا نصائح وزارة الصحة بالبقاء في البيت إلا للضرورة القصوى.
بدأ استيقاظنا مع أذان الظهر، هرعت للوضوء، رأيت وجهي المستطيل منهكا شاحبا في المرآة، مع احمرار بسيط يلوح في عيني، فيما بدت التجاعيد تحتهما أكثر قتامة من قبل عصر الكورونا.
اعتبرت تغير لون الجلد أمرا طبيعيا مع تقدمي في العمر، لكن العطسة المفاجئة التي أحدثت ضجة في الممر، أربكتني، وجعلتني أرتعش هلعا من أن يكون الوباء قد تسلل إلي من مكان ما.
– من عطس؟!!.
وقفت أم العيال بعيدا عني، وأضافت:
– أنت عطست؟!!.
– لا، لست أنا، هذه عطسة من عند الجيران.
وتابعت الوضوء وكأن شيئا لم يكن.

الجلوس الطويل في البيت أمر شبه مستحيل لرجل مثلي تعود أن يخرج يوميا ويجالس الأصدقاء، ويشرب القهوة معهم، وهم( يتجاقمون ) في أحاديث شتى، على رأسها السياسة وآخر أخبار بلدنا المنهك بصراع بدأ ثورة وانتهى بصراع دولي، ووصلت الحال كمن يحارب المدفع بسيف خشبي، أو كمن ينطح الجبل بقرون من عجين!!..
كأنها أرادت أن تمازحني، أو تغيظني، لا أعرف، قالت أم العيال، وهي تصب القهوة:
– سمعت ان الكورونا يصيب كبار العمر من الرجال فقط.
– الكورونا لا يعرف كبيرا أو صغيرا، ولا إناثا ولا ذكورا.
– هكذا سمعت في التلفزيون.
– أنت تسمعين وتصدقين ما تحبين فقط.
– اللهم اصرف هذا الوباء عنا.
تسلحت بالجرأة، وبدعابة غير مهضومة:
– هذا الفيروس يحب النساء يا مجنونة.
رمقتني بنظرة ازدراء، وتابعت شرب قهوتها على شرفة البيت.
ولأنني أشد وهنا من بيت العنكبوت فقد بلعت ما كان علي أن أقوله، دفاعا عن نفسي، وانشغلت بالموبايل.

سنة الحياة أنه كلما كبر الإنسان تضعف مناعة جسمه أمام كل شيء، إلا التشبث بالحياة.
وكي أتخلص من السين والجيم، هرولت باتجاه المكتبة.
أصدقائي المهووسون بالجدال السياسي العقيم، امتنعوا عن الخروج من بيوتهم، منفذين نصائح دوائر الصحة بضرورة الالتزام بالبيت.
لذلك جلست وحيدا مع كمامتي وكتبي في المكتبة بلا زائر أو مرتاد ذي حاجة.
جارتي العجوز التركية الملتزمة جدا بالحجر الصحي في بيتها، لم تتجاوز باب بيتها مقدار خطوة منذ أن هجم كورونا إلى تخوم البلاد، وكل ما تحتاجه، يؤمنه زوجها المغلوب على أمره، مثلي تماما، كما لاحظت، أما هي فتقف خلف البرداية وتراقب المارين في الشارع باهتمام وتمحيص.

طيلة النهار، كان عناصر من البلدية يوزعون منظفات على البيوت مجانا، جارتنا تلك، لم تقبل إلا بحصتين، كيف حصل ذلك، لا أعرف.
فجأة، سمعت ضجة وضوضاء وجلبة انبعثوا من بيت جارتي العجوز المحجورة صحيا بتميز، وعلا صراخ وعويل…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s