عبد الغني حمادة: يوميات كورونا (2)

عبد الغني حمادة: يوميات كورونا (2)

زي بوست:

لا يبعد بيتنا عن مكتبتي كثيرا، ومع ذلك فقد أحسسته طويلا جدا، حتى أن الطلعة البسيطة شعرت بأنها جبل، علي أن أتسلقه لأصل إلى البيت.
سوق الإثنين بدا شبه خاو من الناس، اللهم إلا بضع أشخاص يتسوقون ضروريات الحياة، عربات الخضار والفواكه يجأر أصحابها لمن يشتري منهم.
مساكين هؤلاء الباعة المتجولون، يتحملون البرد والمطر ليؤمنوا قوت أبنائهم غير مبالين بالكورونا ولا بغيره.
الوساوس عملت فعلها، وجعلتني في دوامة:
– لابد أن الكورونا دخل بيتنا، ( وأرجو من الله وأتوسل إليه بألا يكون ذلك ).
منذ أن انتشر هذا الفيروس، وابني يسألني:
– بابا، الكورونا كبير؟.
– لا يا بني، إنه أصغر مما تتصور.
– لا بد أنه يشبه الأقزام السبعة، ليتني أراه!!.
أبسمل وأحوقل، وأبلع ريقي، ثم أغمض عيني لأدفن خوفي فيهما.
صوت الإسعاف في الشارع، شلع قلبي، أوهن عزيمتي، وهد من حيلي.
في الأيام الأخيرة، كما نتابع أخبار الكورونا وانتشاره السريع في دول العالم.
بدأ في الصين، ثم تمدد إلى أغلب دول العالم، وها هو يحط رحاله في مدينة كلس التي نقطنها.
في الحادي عشر من آذار أعلنت تركيا عن أول إصابة فيها، ثم بدأ العدد يزداد ويتكاثر، وكوحش أسطوري يفتح فمه، لينهش أجساد البشر بلا رحمة.
ها نحن في الثاني والعشرين من آذار، وقد بلغ عدد الإصابات ألفا وثمانمئة واثنين وسبعين شخصا، فيما وصل عدد الوفيات إلى أربع وأربعين شخصا.
وسجلت أول إصابة اليوم في ولاية كلس الحدودية الصغيرة.
تبا لهذا الفيروس القاتل!!..
الخوف الأكبر إن وصلت هذه الجائحة إلى أهلنا في الداخل السوري، فلا مشاف ولا غرف إنعاش، ولا أدنى اهتمام بالصحة، ستكون كارثة إن تغلغل هناك.
كلما اقتربت من البيت، كانت مفاصلي تتقصف، ورجلاي ترتجفان، ووحش الكورونا يقترب مني ليختطف أحد أفراد أسرتي التي هربت بها من الفيروس البشري القاتل الذي دمر الحجر والشجر وأباد البشر.
نعم أن الطاغية أخطر من ألف كورونا، ولا يزال يعربد في دمشق بلا رادع.
صوت سيارة الإسعاف بدأ يتوارى ويختفي بين أزقة المدينة.
– رحمتك يارب، أرجوك يا الله، لا تأخذ من نحب قبل أن نرتوي منهم.
قيل الكثير عن سبب انتشار هذا الوباء، بعض المتدينين قالوا أنه انتقام إلهي ممن لا يخافه، فيما ترددت نظريات كثيرة عن أسباب أخرى، كأكل الخفافيش والحشرات ولحوم الكلاب والقرود والأفاعي.
لكن بعض المشككين عزوا الأسباب لاختراع سلاح بيولوجي في المخابر الغربية.
المهم الآن، هو ضرورة اختراع لقاح ضد هذا الفيروس المجنون الذي إن وصل إلينا فلن يترك منا نافخ نار، ليس هذا فحسب، بل إنه سيجر وراءه جميع الجيران والزوار والمتعاملين معهم، وستتكوم الجثث في الشوارع.
أفكار كثيرة كانت تنتابني وتنخر في رأسي كالسوسة حين تأكل حبات القمح وجذوع الأشجار.
قرعت جرس الباب، وقلبي ينتفض صاعدا هابطا بحركات فوضوية.
كان باب البيت مفتوحا على مصراعيه.
يا إلهي، ماذا يجري في بيتنا؟!!.
– أين تمام؟!!.
كانت الوجوه محتقنة، غاضبة يتطاير الشرر من العيون.
قالت الأم:
– تمام سمع بأن الكورونا وصل إلى كلس، فغافلنا وهرب ليتفرج عليه.
– يا إلهي، كيف يفكر الأطفال؟!!..
أخذت نفسا عميقا، وجلست على الأريكة وقد زال عني بعض ما كنت أعاني من الخوف والاضطراب والتشويش والارتباك.
– يعني ما في كورونا، الحمد لله، ولكن أخشى أن يكون القادم أسوأ!!…

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s