عماد أبو أحمد: شركة الوقت

عماد أبو أحمد: شركة الوقت

زي بوست:

من أغرب ماجاء به الزمان, هو أن يكون للزمان نفسه شركة يذهب إليها الناس لتسديد فواتير وقتهم كما يسددون فاتورة الماء والكهرباء والاتصال..إذا كنت مثلي تهدر وقتك في مايفيد ومالايفيد, فلا بد أننا سنلتقي مصادفة في يوم من الأيام في أحد طوابق شركة الوقت..لاتخف فإن وقتك الذي تقضيه في الشركة تتكفل الدولة بتعويضك عنه لاحقا..أما إذا أحببت أن تدخل في نقاش معي, فيجب عليك أن تدفع ثمن الدقائق القليلة التي سنقضيها سويا..إنني أيضا منذ ارتفع سعر الوقت أخفف من حديثي مع الآخرين لأن دخلي محدود جدا..

صدقني لايتعبني أمر حين أكون هنالك أكثر من رؤية بعض المساكين ممن يعجزون عن دفع الديون المتراكمة عليهم جراء إسرافهم في وقت أعمارهم..أو أولئك الذين قضوا نصف عمرهم وهم يطالبون شركة الوقت بأن ترجع لهم وقتهم المستحق..رأيت ذات مرة عجوزا تجاوز الستين من عمره, هجره أولاده بعد أن قضى حياته في تعليمهم وتأمين حاجاتهم, رأيته هنالك مرات كثيرة يذهب من طابق إلى آخر, من موظف إلى موظف, وهو يعيد جملته ويقول: أريد حقي في العشرين عاما التي وهبتها لأولادي..إنني أستحق تعويضا عنها.. لكن الموظفين كانوا دائما مايقولون له إن أولاده هم المسؤولون عن دفع تكاليف تلك السنين الطويلة..

أما الذين يدينون لشركة الوقت, فلقد شاهدت بعضهم وهو يرجو الموظف المسؤول عن قطع قابس الوقت عن بيتهم أن يمهلهم حتى آخر الشهر لعلهم يستطيعون تأمين المبلغ المطلوب..لكن معظمهم كان يفشل في ذلك..لك أن تتخيل ياصديقي الرعب في عيونهم وهم يشاهدون الموظف وهو يُنزل القابس بهدوء..

الذهاب إلى شركة الوقت ياصديقي أمر مخيف, أنت ترى الزمان وهو يتم إحصاؤه كأنه مجرد أرقام رياضية لا أكثر.. أنا نفسي لا أحب الرياضيات وأعاني من مشاكل في جدول الضرب منذ أن كنت في الابتدائيه.لكني ومع مرور العمر وجدت نفسي مضطرا أن أحفظ جدول الضرب عن ظهر قلب لكي لا يضحك علي أحد من الموظفين ويجعلني أدفع ثمن ساعة لم أضيعها..كما أنني لا أحب أن أفتح علبة البريد وأدقق في الفاتورة الشهرية دون أن أكون مهيئا لأي صدمة نفسية جراء صرفي الزائد الذي لم أحسب حسابه..

آخر مرة أضعت فيها مبلغا من الوقت, كانت في السنة الماضية عندما ذهبت إلى شركة الوقت لأسدد فاتورة الشهر..وفي طريقي إلى هناك, سقط مني يوم كامل لم أنتبه إليه..ولم أكتشف ذلك إلا عندما وصلت إلى مبنى الشركة..لك أن تتخيل كيف هرعت أفتش الطريق بحثا عن ذلك اليوم..لكنني لم أجده حتى الآن..

بعد تجارب كثيرة أستطيع أن أقول لك إنك كلما تقدمت بالزمن زاد اهتمامك بمراقبة عداد الوقت..الحمدلله أن العداد في منزلي في مكان من السهل الوقوف عنده مدة طويله لكي أراقبه..فكرت أكثر من مرة بأن أقوم باللعب بالعداد, لكني عدلت عن ذلك, لأن العداد ألماني الصنع وكثير من الناس تم القبض عليهم بتهمة إسراف الوقت..

وأنت؟ أتمنى أن تكون بخير وأن تصلك رسالتي هذه لأنني بحاجة لأخبر أحدهم عن تجربتي مع شركة الوقت..إذا كنت لم تزل راغبا بلقاء سريع معي, أرجوك أن تخبرني بعدد الدقائق التي سوف نقضيها معا لكي أحسب حسابي وأوفر بعض الوقت لحديث قصير ممتع مع شخص لا أعرفه..

اجلب معك ثلاث أو أربع دقائق زيادة..لاتعرف ربما يطول الحديث بنا قليلا ياصديقي..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s