عبد القادر الحصني: سقف العالم

عبد القادر الحصني: سقف العالم

زي بوست:

ما كان لهذا الشاعرِ أنْ يزعجَ صمتَ الأبديَّةِ،
أو يفتحَ فاهْ.

لكنَّ الماء تأخّر،
والعطش المزمنُ صار خجولاً من أنْ يأخذَ حين يرفُّ السّوسنُ شكلَ شفاه.

ما كان لهذا الشاعرِ.. لكنَّ الأطفال اقتحموا عزلته بدمٍ صدْقٍ، وبكوا:
أين نجوم اللّيلِ؟
وأين طيور الفجرِ؟
وأين قِبابُ الرّوحِ؟
أيعقل أنَّ إلى هذا الدرْكِ الأسفلِ أمسى منخفضاً سقفُ العالمِ يا اللّه؟!

لا أعرف، قال الرّبُّ:
أطلَّ على الزّقّورات العاليةِ القاماتِ ببابلَ،
والأهرامات بمصرَ،
وحدّق في جبل الأولمب،
اغتمَّ على جبل الطورِ،
تنهّد في درب الآلام إلى جلجلةِ الصَّلبِ،
ومسَّحَ بالهدبين على غار حِراءْ

ليس بوسعي أنْ أفعل أكثرَ من ذلك قال الرّبُّ،
فأطرقَ كهّان وفلاسفةٌ،
وارتبكَ القدّيسونَ،
وحوّم أسرابُ طيورٍ غامضةٍ فوق وجوه الشعراءْ.

نحن وحيدون، إذنْ، في عرباتٍ مغلقةٍ.
نتوهّم بوّاباتِ العالم أقواساً،
تحملها أبراجٌ،
ويقوم على عتبات مداخلها عرَّافون يرون المستقبل من خلل ضجيج العربات،
ويسعون إلى إغلاق التّاريخْ…

ما معنى أنْ نرسلَ مركبةً تستقصي أخبار فضاءِ الكون،
وتستقرئ أحوالَ المرّيخْ؟
نحن وحيدونَ..
وهذي المقصوراتُ المصفوفة في عربات قطارٍ لا تعني أكثرَ من أنّا مجتمعون فرادى، حين ننام وحين نقوم، وحين نكسّر وَحشة ما بين النّوم وبين اليقظة بالضّوضاءْ.

هذا لا يعني أكثر من أنَّا غرباءْ.
غِربان سودٌ، في اللّيل الأسودِ، فوق الأرض السّوداءْ.
فلِمنْ ألَّفنا هذي الكتبَ الضّخمة، أو لوّنّا هذي اللّوحات الفارهة الأضواءِ، وشيّدنا فوق الأجْبالِ قلاعاً ومراصدَ، ثُمَّ وقفنا في منفرجٍ للبحرِ، تلوّحُ أيدينا بمناديلَ يبلّلها الدّمع، ونخفي عن أنفسنا، في عزّ الظهر، حقيقة أنّا لم نأتِ لنستقبلَ أو لنودِّعَ! ما مِن أحدٍ… لسنا إلّا بشراً مهجورين بميناء مهجورْ.
حسنٌ الشاطرُ لن يحدثَ أنْ يجدَ السّتَّ بُدورْ.

يُحكى أنَّ فمي ممتلئٌ بالرّملِ، وأنّ حكايات الجدّاتِ انقرضتْ،
والجدَّات، حزيناتٍ، أودِعْنَ بمأوىً للعجزة…
يُحكى عن أقمارٍ تبردُ في اللّيلِ،
وعن أنهارٍ تعطش مثل مجاري السّيلِ،
وعن نسوانٍ عجْفاواتٍ مَصبوغاتٍ بالأبيضِ والأحمر والأخضر والكحليّ،
ومقطوعات الحيلِ،
ويُحكى…

– هذا رجلٌ شبهُ مريضٍ يهذي بالهُجْرِ من القولِ
يريد ليغلقَ في أوجهنا كلَّ رجاءٍ بالنّعمةِ،
أنْ يسلبنا أبسطَ أنواعِ الحكمةِ،
وهو يريدُ ليصبح مشتَهراً أنْ يكسرَ مزراب الرّحمةِ…
فوق رؤوس الأجيالْ

سُدّوا فمَهُ بشعارات الوطن البرّاقاتِ،
أَرُوهُ الصّبح المشرقَ، يبزغُ من صفحاتِ بطولات الأبطالْ
ليس بجرَّة حِبرٍ من قلمٍ يُنسفُ هذا الصّرحُ الشامخُ من أكداس الورَقِ المملوءةِ بالأقوالْ

سَدَّوا فمَهُ بالورق، عليه أوساخٌ من صورٍ…
وأصمُّوا أذنيه بالخطب العَصْمَاواتِ،
ولكنْ بقيتْ عيناهْ
تريانِ القصفَ الهمجيَّ على مدنٍ آمنةٍ،
تريانِ فظاعةَ ما يفعلُ رأسُ المالِ بأجساد الأطفالْ
بقيتْ عيناهْ
وتبقّى وجعٌ لسؤالٍ في عينيهِ؟
لماذا منخفضٌ سقفُ العالمِ يا اللّهْ؟

من ديوان: كأني أرى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s