محمد زادة: أنا ابن نعمت

محمد زادة: أنا ابن نعمت

زي بوست:

أنا ابن نعمت…
ولدتها أُمها في أربعينيات القرن المنصرم في قرية ( برمجة ) وهي قرية صغيرة تتراصف بيوتها على سفحٍ جميل يقال أن الطيور كانت تنطلق منه نحو أبدية السماء، لم تذهب نعمت الى المدرسة وفي التاسعة من عمرها بدأت الصلاة خلف أمها فاطمة وتعلمت منها بعض آيات القرآن وبعضآ من الدعوات.

في السادسة عشر من عمرها تزوجت وأنجبت ستة أولاد وفي الخامسة، والأربعين من عمرها مات زوجها في دقيقتين وعلى بعد خطوة منها.

كانت نعمت تحب الله أكثر منّا ومن أبي و كانت تذكر اسمه مئات المرات كل يوم وكانت كلما رأت جمالاً سبّحته باسمه وكلما رأت ظلماً شكته له وكلّما سافر أحدنا قرأت له دعاء السفر بأمان والعودة بامان وسافرنا بأمان لكننا لم نعد.

ستة عقود ونعمت تصلّي بخشوع ولا تتأفأف من ظلم الحياة بل تبتسم وتقول ( الم يعلم بأن الله يرى ).
وكانت تحسم كبرى المصائب بقولها ( عسى أن تكرهوا شيئاً )
وكلّما مات عزيز على قلبها كانت تعيد هذا الكلام ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية )
نعمت التي لا تعرف شيئاً عن طلاء الأظافر ولا أحمر الشفاه ولم تكن تمتلك في غرفتها مرآة وفي كلّ حياتي رأيت شعرها مرتين فقط واندهشت لشعرها الأشقر.

نعمت التي عاصرت الطغاة وكانوا كلّما يرتكبون مجزرة ترد عليهم بكلمة واحدة وهي تلوّح بسبابتها عالياً وكأنها تهدّد وتقول ( يمهل ولا يهمل ) .. ستون عاماً يا ربي ونعمت تتوعدهم بغضبك.. وبقدرتك العظيمة أن تقول كن فيكون.. ستون عاماً وهي تنتظر قصاصك على الأرض.

نعمت التي أصابتها لعنة الحرب والفراق فصارت تنسى بشكل سريع حتى وصلت إلى النقطة البيضاء في الذاكرة، لكنك الوحيد الذي لم تنسه،
نعمت التي نزحت تاركة خلفها شقى العمر تتقاسمه الطائرات ولصوص الثورة .. نعمت التي صارت تتكلم بالسياسة كسياسي.
نعمت التي اختارت لي الاسم ( محمد ) وقالت لي عندما كبرت ستدخل الجنة بهذا الاسم، لكنني لا أريد الجنة يا أمي أريد فقط أن لا أرى هذا الجحيم.
نعمت التي كانت تخبئ في خزانتها كتابك وعلقت في صالون البيت آية الكرسي وكل خطوة في حياتها كانت تبدأ باسمك وكل فرح وكل شربة ماء..
نعمت يا ربي … التي ارسلت لك مع كل طفلٍ شهيد رسالة من قلب أمه وانتظرت الجواب
نعمت التي حين رأت موجات النزوح وذبح الناس وسبي النساء من الرقة إلى شنكال ورأت صمت العالم قالت لي بأنك تمتحن عبادك.

يا الله … أنا ابن نعمت..
إن كنت تمتحن فينا قدرتنا على الهلاك وتحمّل موت الأحبة والأبرياء ورؤية الظلم وهو يتمدد فلقد فشلنا في هذا الامتحان، ألم تقل في كتابك ( وخلقنا الانسان ضعيفاً) نحن ضعفاء جداً ضعفاء كعود ثقاب ولا ذنب لنا فيما فعله ويفعله الطغاة فلما ندفع هذا الثمن، خذنا من هنا لقد أفسدوا علينا كل شيئ البر والبحر والسماء، خذنا يا الله لقد قتلونا بالبراميل والغاز وبنوا سجوناً تحت الأرض لأجلنا ومثلوا بجثثنا، خذنا يا الله أو خذهم ولا تتركنا بينهم على أرض واحدة، خذنا لأننا صرنا نموت بهجمة برد خذنا يا الله لأننا نموت ونُنسى.

One comment

  1. يا الله ما أجمل هذه الكلمات
    وما أجملها نعمت ..
    أقبًل يدين تلك الأمهات الصامدات الجبًارات اللواتي يجتزن كل إمتحانات الرب بقلب كبير مفعم بالحب والحنان .. سلمت يداك وسلم قلمك 🌷

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s