راكان حسين: اللاجئ يرى بأنفه

راكان حسين: اللاجئ يرى بأنفه

زي بوست:

تختلط رائحة السمك برائحة النعص فيعرف أنها الحارة الغربية، ويشم رائحة الدخن مخلوطة برائحة الروض ليدرك أنه في الحارة الشمالية، أما رائحة النجوم فيشمها عند ليل البحيرة، ورائحة التبغ النفاذة تندلع حين يدخلها من الجنوب ورائحة الكبريت الهاربة من حقول البندورة في طفس تعلن الشرق.

هَرَبَتْ شجرة واحدة من غابة الكينا التي زرعها الناس لتعينهم على البعوض في زمن سابق، وامتدت من رائحة السمك والنعص إلى رائحة الكبريت، ومن رائحة التبغ إلى رائحة الدخن والروض، أقصد من محيط البحيرة إلى البجة شمالا و غربا إلى ما صار أحواضاً لزراعة الأسماك وصولا إلى عمرة أبو حسين.

هربت شجرة الكينا وانتصبت كحارس شديد الانتباه عند التقاطع الأهم في البلدة بعيدا عن أمها الغابة، وقفت تنظم حركة الناس بين الأحياء التي تكاثرت من حولها، وتحميهم من حرارة شمس الصيف، شجرة واحدة أفلتت من الغابة و انتصبت كتمثال يستدلّ برائحته الغرباء على ما حوله، وطاف حولها الفرح في حلقات دبكة لأعراس بعيدة.

ولأن اللاجئ يرى بأنفه فهو أول من ينتبه إذا الشجرة نزفت وتبللت أغصانها بأطفال جرحى وصراخ نساء وذكريات، يتعكز اللاجئ على حزمة العطور التي حفظها ويحث خطاه نحوها.

من غير اللاجئ للشجرة إذا جثت على ركبتيها و اتكأت بأغصانها الدامية على الإسفلت يعيد عطرها إلى سيرته الأولى، سيجلس ويضمد بمنديله جراحها، فهو لا يستدل إلا بهمس الروائح من حوله وهو يعرف لغتها كما يعرف كيف تكاثرت الندبات في رأسه.

لا طاقة لمن يرى بأنفه على فقدان الرائحة التي سخرها له القدر كي يستدل بها على خطواته فوق مجاز الطرقات.

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s