راكان حسين: المقبرة الحديثة

راكان حسين: المقبرة الحديثة

زي بوست:

في زيارتي إحدى الصديقات إلى مدينة هيلفرسوم الهولندية وأثناء العودة من تسوقنا أنا وزكريا أثارت فضولي شجرة دلب عملاقة عند مدخل الحديقة، كانت تظلل مساحة كبيرة، ويستخدم ظلها الوارف كموقف آمن للسيارات، وتجاورها أيضا بحيرة واسعة رسمت بعناية، وزينت أطرافها ببساط أخضر من العشب مائل إلى جهة الماء من الأطراف الأربعة. إضافة إلى سور خفيض من الحجر الأحمر لا يتجاوز ارتفاعه المتر .. صمم بهذا الشكل على طول مدخل الحديقة في كلا الجانبين كوعاء لأزهار بألوان شتى.

قلت لصديقي: ما هذا الجمال الأخاذ، تسحرني فعلا هذه الحدائق التي تقترب إلى الكمال!!.
ضحك وقال هذه ليست حديقة، إنها مقبرة!!.
لم أصدق بادئ الأمر، فسألته إن كنا نستطيع الدخول فأجاب أن الأمر سهل ليس هناك حراس ولا أبواب .. مضينا عبر المدخل كأننا ندخل حدائق ملكية لم يترك صانعوها أي تفصيل صغير لا يأخذك إلى السحر، ونهضت الأشجار العالية بعد دخولنا بتوزع متساو وامتدت مساحات العشب مع جداول ماء تتقاطع عندها صحون جحرية كبيرة بقطر المترين خصص كل صحن للون من الزهور.

مضيت بمزيد من الذهول إلى حلبة أخرى من تنوع الألوان، لم أر قبرا يشبه الآخر. كل تشكيل أضيف إليه لمسة شعر حفرت على شواهده. لم تكتب عبارات من الإنجيل ولا من أي كتب سماوية أخرى. (حبيبتي أنظر إلى النجوم كل يوم كي أراك)
وفي اجتماع عائلي لثلاثة قبور كتبت عبارة (حبيبتي أشعر بالغبطة لأنك دائمة اللقاء مع أجمل شخصين في وجودي، أبي وأمي)
وعبارات كثيرة ، وإلى جانب بعض القبور مقتنيات لأصحابها كانوا يحبونها وقد تركت ليسعدوا بها.

جلست على أحد المقاعد، كنت مأخوذا بكل هذا الجمال، فرأيت أن أفضل ما يقال عنها المقبرة السعيدة.
ذهبت إلى المقبرة القديمة في المزيريب، تلك المقبرة التي امتلأت منذ أكثر من عشرين عاما وكان كل مرة يدور الجدل في المجالس حول قطعة أرض قريبة تصلح لأن تكون بديلا.
وما أن وقع الاختيار على أرض كبيرة غربي معمل الكونسروة في نهاية شارعنا حتى اجتمعت سقيفة بني ساعدة في البلدة يتبادلون الآراء حول إدارة المقبرة وخدماتها والمرافق التي يتوجب أن تتم على أحسن وجه. مثل المصلى وخزان الماء والسور.

بعد أن اعتمدت الأرض وتم شراءها من تبرعات الأهالي وبعض أصحاب الخير أخد شارعنا من المقبرة الجديدة اسمها فأصبح حي المقبرة قبل أن يصار إلى تدشينها. وأصبح تشييع معظم الجنازات فيما بعد. يمر من أمام بيتنا، كان هذا يوقعنا بالحرج الدائم لأننا سنمشي خلف أي جنازة تمر، خجلا واحتراما لأصحابها، فتسدل أبواب المحال التجارية ويتوقف العمل فيها، ليترحم الناس على الميت.
وما أن تمضي الجنازة حتى يهرع الشامي صاحب مطعم الفلافل إلى الأقراص التي احترقت في إناء الزيت. وترفع أبواب المحلات بسرعة ليعلن عن خروج هذا المسكين من عالم الأحياء وأشغالهم.

مساحة المقبرة الجديدة تعادل عشرة أضعاف القديمة. وعندما جاءت موافقة البلدية ووزارة الأوقاف على اعتماد هذه المساحة المترامية مقبرة قال شيخ البلدة بسعادة أن القيامة تقوم والمقبرة لن تمتلئ. لدينا الآن مقبرة يرمح فيها الأموات كيفما شاؤوا. وحمد الله وأثنى عليه، فالدنيا إلى زوال وهذا القبر هو دار المستقر إلى أن تأتي القيامة.

اجتمعت سقيفة بني ساعدة الحي في بيت موظف البلدية أبو ربحي الذي حرص أن يتم التوصل أولا وقبل كل شيء لاتفاق بخصوص إيصالات التبرع. يا إخوة أنا لدي خبرة كبيرة بجمع التبرعات لذلك أطلب أن أكون مسؤولا عن الايصالات. توقفت أنفاسنا جميعا ورمقه أبو صبحي نظرة طويلة وقال في سره طول عمرك حرامي ورح تضل حرامي، وقال له سوف نشكل لجنة للتبرعات، نحن بحاجة إليك أكثر لإتمام دراسة الأرض في المكتب الهندسي للبلدية. تبرم الأستاذ ثم عبس وبسر ووجد مخرجا آخر وقال حسنا سأكون مسؤولا إذا عن بناء سور المقبرة، سيكون سورا شاهقا بارتفاع خمسة أمتار.
همس أبو صبحي في سره .. بتعيش وتموت وبتضلك حرامي.
ــ يا أخي خمسة أمتار شو، الأموات يكفيهم متر واحد كي لا يهربوا.
ـ من قال إن السور للأموات، السور للأحياء الذين يجدون ملاذا آمنا لهم هنا للتعاطي بين القبور، ومن أجل اللصوص والمشردين، والحيوانات التي تعبث بالأنحاء.

استاء الشيخ علي من هذا الحوار واعتبره جدلا لا يليق له الدخول فيه، فقام وحمد الله وأثنى عليه ثم تطلع حوله فلم يجد أي علامة تدل على أن أبو ربحي موظف البلدية ينوي بسط المناسف على شرف هذه الواقعة. فحدجه بنظرة غاضبة، وهمس في سره، طول عمرك بخيل وحرامي ولا تجود حتى بكأس شاي إذا بتطلع عينك لن ترى دفتر إيصالات واحد ولن توكل إليك أي مهمة.
ثم قال في الوقت الراهن لا بد من افتتاح المقبرة، نستطيع أن نؤجل السور، فمقابر الصحابة لم تكن مسورة ولم تشارف الأرض.
ـ ولكن نحن لسنا صحابة يا شيخ، نحن مجرد لاجئين ونازحين وفلاحين بسطاء، ضحكنا جميعا بينما عبس الشيخ وأكمل:
.ــ المقبرة القديمة بكل فوضاها صارت من الماضي ولا نريد أن نكرر أخطاء الماضي، بما أننا كنا المشرفين قبلا على المقبرة القديمة نحن الآن أمام عهد جديد مع الحداثة والتطوير ومقبرة واسعة تتسع لكل أفكارنا.
قال أبو ربحي يا إخوة خلصونا من الخطابات ولنبدأ بالجد فأنا سوف أتوكل بمهمة شراء خزانات ماء كبيرة من صندوق التبرعات.

نظرنا جميعا إليه نظرة ارتياب وهمسنا في سرنا … حرامي سرسري ..
ــ نستطيع ان نؤجل الخزان لأننا بحاجة لبناء المصلى أولا وسنقوم بوضع الخزانات بعد ذلك فوقه.
قال أبو خليل صاحب النوفوتيه إذا اتفقتم على افتتاح المقبرة الجديدة فأرجو أن تأخذوا بالحسبان تقسيمها إلى قسم رجالي وقسم نسائي وحسب القياسات.
ــ لا حول ولا قوة إلا بالله.. وفي أي حديث ورد ذلك؟ هل جننت يا رجل؟
ــ يا أخي أنا لن أقبل أن تدفن زوجتي بعد عمر طويل جانب رجل ما والله سابقى حتى يوم القيامة خجلا من رجال البلد إن حصل هذا.
أجابه أبو كرم أمين الفرقة الحزبية ـ زوجتك الثانية ما زالت شابة.. إذا تزوجت بعد موتك إلى جانب من سوف تدفن؟
تطلع أبو خليل بنظرة حانقة غاضبة إلى وجوهنا الساخرة: – نساؤنا لا يتزوجن بعدنا يا رفيق، إخلع نظارتك المزييفة ثم اذهب واسأل عنا، وبما أن النقاش وصل إلى قلة الأدب والسخف فأنا مضطر للانسحاب من هذا الهرج وقام إلى الباب وصفقه خارجاً دون أن يسلم على أحد.
ـ يا جماعة قد يكون الرجل على حق ولكن لا يفتى والشيخ علي بيننا.

قام الشيخ مرة أخرى وحمد الله وأثنى عليه وقال يا إخوة لا يجوز شرعا دفن المراة في شق واحد إلى جانب رجل أجنبي أما القبور وإن كانت متلاصقة فلا ريب فيها ولا إثم.
قال عطية: طيب يا شيخ والأطفال ..
ـ ما بالهم الأطفال يا عطية، هل نسينا دفنهم ؟؟ !! عفوا لم أقصد.. هل نسينا أي شيء يتعلق بحقوق الأطفال المتوفين؟
انجعص عطية على الوسادة ورمى طرف شماخه إلى خلف رأسه وقال:
– الأطفال لا يأخدون مساحة كبيرة في الدفن لذلك دعونا نجعل لهم زاوية محايدة و ندفنهم إلى جانب بعضهم. ونضمن عدم حصول شغب منهم حين يرمى السلام على أهل القبور.

نظرنا بوجوه بعضنا وقمت بتصفيقة خفيفة فزاد جعصته ورمى الطرف الآخر للشماخ أيضا خلف رأسه اعتزازا بفكرته الجديدة فانفجر الجميع بضحكة مجنونة دون قصد، حتى شيخ البلدة لم يستطع كبح ضحكة أفلتت منه رغما عنه.
وقف عطية ونظر إلى الجميع نظرة غاضبة: – لماذا تضحكون هكذا لقد رأيت فعلا مقابر للأطفال على التلفاز في أماكن بعيدة من العالم، ولكن بما أن النقاش وصل إلى قلة الأدب والسخف فأنا مضطر للانسحاب من هذا الهرج وقام إلى الباب وصفقه خارجاً دون أن يسلم على أحد.

وما أن خرج حتى توجهوا إلي بالاتهام بتاجيج الموقف وإثارة غضبه لأني أتبعت كلامه بتصفيقة صغيرة، فالرجل ربما يكون قد رأى ليس بأم عينه، ولكن على شاشة التلفاز، سألنا محمود أستاذ الجغرافيا عن صحة هذا الكلام فأكد أن هذا موجود بالفعل وقد رآه بأم عينه على شاشة التلفاز، فركضنا أنا ومجموعة من الحاضرين كي نبحث عن عطية ونعيده للمضافة قبل أن يبتعد، فوجدناه واقفاً خارج المضافة يدخن بغضب ويعض على فلتر السيجارة حتى يكاد يتلفها، اعتذرنا منه وقبلنا شماخه وأعدناه إلى جانب الوسادة التي كان ينجعص عليها ووجدنا أيضا أبو خليل الزوج الغاضب جالس على المصطبة فسحبناه بعد أن قبلنا رأسه وأعطيناه سيكارة حمراء طويلة فطلب واحدة أخرى وضعها خلف أذنه وجلس على الطرف الآخر من وسادة عطية.

تأثر أستاذ التربية القومية بما حصل فقدم مداخلة قصيرة عن ديمقراطية الحوار وضرورة أن تناقش كل الآراء، وتحترم أفكار الجميع المطروحة، فبلع الشيخ ريقه وحاول مقاطعته فهو لا يطيق أن يسمع كلمة واحدة من هذا البعثي المتأنف. لكن الأستاذ رفع صوته وأعاد مرة أخرى ضرورة احترام آراء الآخرين.
ثم أكمل: يا رفاق ..
قاطعه الشيخ علي: نحن لسنا هنا في اجتماع حزبي قل يا إخوة، وتمتم مو ناقص غير نردد الشعار الحزبي كمان أمام حضرته.
لم يجب الأستاذ ولم ينظر إليه بل أعاد بصوت مرتفع:
-أيها الإخوان المسلمون…
وقف الشيخ بهلع وقال: – يخرب بيتك قلت لك إخوة ولم أقل إخوان وتلفت إلى آذان الجدران من حولنا فضحكنا من خوفه ومن مقدرة الأستاذ على التلاعب بأعصابه فأعاد الأستاذ للمرة الأخيرة:
– يا إخوة يا أصدقاء نحمد الله أننا في دولة تؤمن بالتعدد والبعث الخالد والأمة الواحدة فالجيد بالأمر أن أحدا لم يتطرق في هذا الاجتماع إلى عدم وجوب دفن أحد من طائفة أخرى لذلك فنحن بخير، همس الشيخ في سره :
– طول عمرك مخبر حقير وكاتب تقارير.
تطلع إليه الأستاذ بنظرة جانبية وقال: قد يظن البعض اني مخبر وكاتب تقارير ولكن مضى على وجودي بهذه البلدة سنوات وصرت واحدا من أهلها لذلك سيسعدني أن أدفن حين تأتي منيتي إلى جانب أي واحد من جماهير هذه البلدة، كما أننا بدولة البعث نؤمن بالمساوة بين الرجل والمرأة فلا ضير عندي أن تدفن زوجتي إلى جانب أي أحد من الرفاق. صفق باقي المعلمين وأمين الفرقة الحزبية صفقة طليعية وأثنوا على روحه البعثية العالية التي أكدت بالفعل أيضا أن المعلمون هم البناة الحقيقيون للأجيال، بينما همس الشيخ في سره: – ديوث ومخبر ، أتمنى أن يأتي قبر زوجتك إلى جانب قبري لتشوف يا حقير أنت ورفاقك المطبلين ماذا سأفعل.

عاد خليل وطرح ذات السؤال القلق على مستقبل زوجته الشابة، فأرضوه هذه المرة على الطريقة الفرعونية، بحجز قبور للزوجات جانب أزواجهن
وقال مدرس التربية الفنية إن على شيخ البلدة التوسع بحجز قبور زوجاته الأربعة بشكل هندسي حول قبره وأستطيع أن أرسم شكلا جميلا مع نفق صغير يربط قبور الزوجات الأربع مع قبر الشيخ علي.
تدخل أستاذ الرياضيات وقال إن عليه حساب المساحة المهدورة بشكل جيد وأن تكون القبور لصيقة ببعضها كي لا تنهار الأنفاق الواصلة بينها فالمسالة ليست مسالة رسم وكفى.
صاح مدرس التربية الفنية أنا أضع التصميم ومن يقوم بالتنفيذ …..
وقف الشيخ غاضبا وأخرسهما بإشارة سريعة من يده، تهدج صوته وجحظت عيناه من هذا التطاول على مقامه وعلى ذكر زوجاته الأربع في المجالس أمام الجميع وخاصة أمام هذا المخبر:
– من أنتم كي تتحدثوا بلساني؟. لدي لسان يكفي لأتحدث فيه عن كل مشاكل الأرض. أنا لست محور ثرثرة وأنفاق وأكل هوى، شهق نفسا عميقا فقام إليه اثنان من مريديه وأمسكاه من كلا الجانبين، ثم أهدأ نفسه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله ولعن الشيطان وأهل الجهل والمجادلين بغير علم .. ثم تطلع إلى مدرس القومية بنظرة امتعاض أخيرة وعاد إلى مكانه وهو يتمتم في سره أتمنى أن يكون هناك نفق خامس مع الرفيقة أيها المخبر الديوث.

ــ قال أبو شحادة يا أصدقاء أنتم تبتعدون كثيرا عن جوهر الأمور، مع بداية المقبرة القديمة بدأت ببيع الأكفان والمسك والزعفران ولوازم الغسل للأموات، لكن الطلب على الأكفان صار نادرا جدا. والله يا جماعة صرنا نشتهي حدا يموت. الأكفان في مستودعي من عشر سنوات لم تنفذ. زبط المثل تاجرنا بالأكفان، بطل حدا يموت.
قال أبو خليل: تعال افتح نوفوتيه إلى جانبي رغم أن مجادلة الأحياء أصعب بكثير من مجادلة الموتى.
ــ يا أخي ليس هذا هو الأمر، ولكن ما أريد أن أقول : ماذا تريد من مقبرة واسعة وليس هناك من يملأها.
صدمنا جميعا من هذا الكلام الجارح الذي لم يكن في الحسبان، تراجع موسم الموت في السنوات الأخيرة، وعام الحزن على وجوهنا.
ــ وما الحل يا إخوان؟
قال أبو عطية ما دام الأمر كذلك دعونا نلغي مشروع المقبرة الجديدة ونكتفي بالمقبرة القديمة، نوسعها قليلا وننظمها بشكل أفضل.
صدمنا ونظرنا إليه جميعا نظرة غاضبة وانفجرت أصواتنا بوجهه:
ــ الكلام على المرتكي هين يا أبو خليل، خليك بالنوفوتيه تبعك، إلغاء مشروع كهذا هو خسارة شخصية بالدرجة الأولى لكل الأعضاء وفضيحة لنا جميعا.

قال الشيخ علي لا تقنطوا من رحمة الله يا إخوة، فلعل فرج قريب يأتينا من حيث لا نعلم.
وقف أبو كرم أمين الفرقة الحزبية، وخلع نظارته الشمسية لأول مرة، وقال:
– لا تهكلوا هم يا رفاق، مشروع المقبرة سيبقى، وأنا سأكتب تقريرا إلى سيادة أمين فرع الحزب، أطلعه فيها على ما أنجز، وأشرح له المشكلة، والرفاق دائما لديهم الحلول السريعة..
ظلت الأنظار معلقة نحوه، لكنه صمت.
ــ ثم ماذا ؟
رد باندهاش: -ما بكم؟
ــ أخوي الله يرضى عليك، سيادة رئيس فرع الحزب هل سيتصل مع عزرائيل مثلا ؟ … كيف سيحل الموضوع، أقعد مائلا وإحكي جالس يا رجل.
ــ لا أعرف ما هو الحل ولكن أنا أثق بالقيادة الحكيمة لسيادته ونظرته العميقة للأمور وطريقة حله ووو …
قاطعه أحدهم: ــ يا سيد أبو كرم على راسي أنت وسيادته، ولكن هذا موضوع مقبرة وميزانية مرصودة ومشروع على وشك الفشل، هل يقبل سيادته أن يكون أول سكان المقبرة فندشنها بجنازته؟ .
وقعت النظارة من يد أبو كرم، وبدأت عينه اليمنى وحنكه يرتجفان، وأكمل فحيحه هامساً هل تقصد أن يموت سيادته؟.
ولم ينتظر الإجابة حتى انقض عليه يركله ويلكمه.
هجمنا جميعا عليه وخلصنا الرجل من يده،ثم أعدناه إلى مكانه. و صرنا نرشه بالماء كي نخفف من هذه العصبية التي قد تودي به إلى الشلل،
ثم انفجر في بكاء حاد.
ــ يا أصدقاء أنا أعتذر منكم جميعا، الأمر ليس بيدي فأنا لا أتخيل الحياة بدون سيادته، لا أتخيل الشمس سوف تشرق إذا حصل له مكروه، أعرف أن هذا الغبي أراد أن يوضح فكرة ما، ولكن ليس بسيادته، ليضعني مثالا أنا أو أي أحد من أولادي أو عائلتي لا يهم.
ــ يا أخي ما صار شي، وسيادته بعده بمكانه، بكون قاعد بأحد البارات يسكر وأنت تبكي عليه.
نظر نظرة أخرى وتجمرت عيناه، ورجف حنكه فانقضضنا عليه جميعا، ورجوناه أن يجد طبيبا نفسيا يعالجه من هذا الحب فرفض، فوضعنا نظارته السوداء على عينيه وأجلسناه في الزاوية، وحظرنا على الجميع ذكر كلمة سيادته مرة أخرى بحضوره.

قال أبو خليل صاحب النوفوتيه مرة أخرى : – يا إخوان يا رفاق، نحن أمام مشكلة، مشروعٌ اكتمل أعضاء فريقه ولكن لا يوجد زبائن !!.. أرض واسعة كنا نتمنى ربعها ولكن فوجئنا بقلة الموت في الأنحاء.!!
تنحنح عطية مرة أخرى وأراد أن يرمي طرف شماخه الأول خلف رأسه لكن أبو خليل الجالس إلى جانبه في طرف الوسادة شد الشماخ و جمعه بيديه و رماه جانبا وقال :
– (أخي إحكي بدون تلويح بالشماخ كل شوي بفوت بعيني وبيعورني).
و أكمل عطية : ــ لماذا أنتم منزعجون هكذا، الأمر سهل.
نظرنا جميعا إليه ثم أكمل: – نعم سهل فنحن نستطيع استيراد أموات.
اتجهت الأنظار كلها نحوي محذرة إياي من التصفيق فأنزلت يداي
ــ هات يا أبو الحلول السحرية ، هل نطلب الأموات من مراكز التصدير في الصين؟
ــ لا يا حبيب عقلك أكبر من هيك، أنا قلت نستورد يعني ننقل المقبرة القديمة إلى المقبرة الحديثة.
ــ قال أبو خليل: أتمنى أن تحترم عقولنا الصغيرة، وتشرح لنا كيف ستنقلها؟
يا اخي المقبرة لا يوجد فيها سوى العظام، لنبدأ من جديد بفرز العظام حسب الأسماء والأجناس ونضعها في قبور حديثة وواسعة، بذلك نحيي ذكراهم ونجعلهم يعيشون تحت كنف العهد الجديد للمقبرة مرة أخرى، وبذلك نجد حلا سريعا لمشكلة ملء المقبرة الجديدة.
ــ وبعد أن تفرغ المقبرة القديمة ماذا سنفعل في الأرض؟
قال أبو شحادة بائع الأكفان: وأنا ما الذي سأستفيده من هكذا حل مجنون؟

وبينما هم في ذروة الحوار والجدل اليائس وإذا بصوت المنادي من المسجد يطلع مناديا عن وفاة أحد العجائز في البلدة، جاء الخبر كنزول المطر على عطشى تائهين في الصحراء، فخر الشيخ علي ساجدا لله لاستجابة دعائه بالفرج.
وأجهش أبو كرم أمين الفرقة الحزبية وقال يا بركات سيادته، لقد كنت على وشك إرسال برقية له، مجرد ذكر اسمه في المشكلة فقد تحلحلت.
وركض أبو شحادة بائع الأكفان إلى دار المتوفى فصحنا به سنجري وراءك جميعنا. هذا الرجل المنقذ سيكون كما البيان الأول والإنسان الأول الذي يدخلنا أرضا جديدة، هممنا جميعنا بالخروج لكن الشيخ علي أوقفنا ، سوى عمامته، ورفع رأسه وحمد لله و أثنى عليه، ودعا دعاء المنتصر: – اليوم بإذن الله نفتتح صرحا من أعظم الصروح في بلدتنا، وأجهش بالبكاء حتى ابتلت لحيته، ثم قال:
– أسمعونا على عجالة سورة البقرة على نية القبول.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s