راكان حسين: الحادية عشر والربع

راكان حسين: الحادية عشرة والربع

زي بوست:

كانت الحادية عشرة والربع ، الحادية عشر وخمس عشرة دقيقة بالتمام والكمال، حين سقط البرميل على بيت جارنا أبو حسين الملاصق لجدار مدرسة عين الزيتون .
البقية بحياتك الوالدة أعطتك عمرها. جاءني صوت أخي مخنوقا عبر الهاتف قال هاتين الكلمتين فقط ..
أعطتني عمرها ؟!!! لم أستوعب ما قال بالضبط ، هل ذلك يعني أن عمرها صار مضافا فوق سنين عمري؟!!!
عاودت الاتصال ليؤكد لي الخبر بصوت يلفه شريط أسود.
– الكل بخير أولادك وإخوتك.
هل نحن فعلا بخير بعد موت أمي؟

الحادية عشر والربع 18 شباط 2014 هوى السرير المعدني بي في كامب بيشكا قرب العاصمة المجرية إلى ليل زلق قوامه الصمت والخبل وتوقفت ساعة غرفة الجلوس بعد إصابتها بشظية في قلبها وتوقف نبض أمي الدافئ ، النسغ الذي يغذي وجودي بالحياة مع توقف الزمن.

الساعة الحادية عشر والربع يقف طلاب الصف التاسع أمام سياج المدرسة، يفتحون دفاترهم ويعيدون لآخر مرة آخر ما قاله الأستاذ، يضحكون ويتحدثون في لحظات هي الأصدق للتعبير عن الحياة، وعلى مقربة من مكان وقوفهم قرب البوابة، تلقي طائرة مروحية برميلاً معدنيا بطول رجل، محشواً بالمتفجرات وقطع النقد المعدني من فئة الليرة التي جمعها البنك المركزي بعد أن فقدت قيمتها كخرجية لشراء الحلوى في بوفيهات المدراس ثم أرسلها إلى الورشات التي تصنع تلك البراميل لتعيدها كشظايا أكبر من سكاكر كان عليهم أن ينسوها.
يهوي البيت المكون من طابقين على الأرض فوق رؤوس عائلة ابنة صاحبه ميساء النازحة من طفس، ويتناثر الفتيان والكتب المدرسية ، والضحكات، تتطاير الحقائب والأيدي التي تمسكها وتسقط في أماكن أخرى من العالم، أماكن لا تدرك لحظة طلوع الأرواح مع تصاعد الدخان الأسود ورائحة البارود إلى سماء لا سدرة لها.

الحادية عشر والربع، يحوم الطيران فوق البحيرة فيستحيل ماؤها إلى قطعة من الجير المعطون وينسرب الماء من ثقب ما ثم يتوارى إلى قاع لا يدركه إنسان، تطفو الأسماك فوق الوحل، تصرخ الأمهات وهن ينظرن إلى أولادهن يتناثرون كالدمى، تتفجر الأرحام كي لا يأتي طفل آخر إلى هذا العالم وتنقطع الطرق الواصلة بين تلشهاب والمزيريب وطفس إلا من سيارات البيك آب التي تنقل الجرحى إلى المشافي الميدانية.

الساعة الحادية عشر والربع في المزيريب تختلف عن مواقيت مناطق أخرى في العالم، تسقط الأشلاء بعيدة عنها، تصدح الموسيقا في صالات الأوركسترا الكلاسيكية، ويطلب سائح قرب جبال الهيماليا من صديقته الشقراء أن تنزل معه إلى الجاكوزي الدافئ، بينما يمر خبر عاجل على الشريط الإخباري للتلفاز بسقوط برميل متفجر على السكان الآمنين، يتأفف من الخبر غير المناسب للحب ويطفئ التلفاز و تنزل الشقراء خلفه إلى حقل الرغوة في حوض الاستحمام لتزيل عنه آثار التوتر.

الحادية عشر والربع تصدح أصوات المكبرات في المطارات بفتح البوابة الثانية وتقف مضيفة بتنورة مثيرة ترجو المسافرين ربط أحزمتهم وتتمنى لهم رحلة سعيدة، ويجلس مسافر متوجه للقاء أهله بعد خمس سنوات من العمل في بلاد أخرى مشحوناً برغبة الحديث عن سنوات غربته، بينما مكبرات مساجد المزيريب و طفس وتلشهاب تحث أصحاب زمرات الدم النادرة للتوجه إلى المشافي الميدانية للتبرع بالدم.

في الحادية عشر والربع تمتلئ الشوارع بأقدام العابرين وتنطلق صافرات السفن العملاقة في المضائق، تنتقل البضائع في الموانئ من سفينة إلى أخرى، وتمضي القطارات السريعة بهدوء الأفاعي بين الغابات والجبال الملتوية، وفي لقاء ما يطل المخرج نجدت انزور على إحدى المحطات الأجنبية ليقول:
– لا بد من استخدام البراميل المتفجرة، لا بد لهذه الفانتازيا أن تكتمل!!!!

في الحادية عشر والربع يجلس أبو رياض على كرسي القش أمام دكانه جانب المدرسة، يبيع الحلوى ويراقب زوجته و هي تنهي كنس الطريق وصولاً إلى المكان الذي سيسبح بالدم، ويسأل نفسه لأول مرة عن سبب دأبها لسنين طويلة على هذه العادة.

في الحادية عشرة و الربع ينهض معلم الجغرافيا الذي انبطح عند سماع صفير البرميل دون أن ينفض التراب والقش العالق عن ثيابه الأنيقة و يركض نحو تلميذه صادق علي البهلول و هو يصرخ بمرارة:
– أستاذ وين رجلي؟
بكى المعلم و هو يحاول إخفاء مكان انفجار الدم، ثم يركض من جديد نحو ولد آخر فقد ذراعه، كانت عيناه تجولان فوق الأشلاء المتناثرة.
دفتر تفقد الغياب سيسجل هذه المرة وليد خالد الخبي ومحمد غالب الدالي و أحمد حسن الدالي و زكريا صالح الميساوي و يزن بشار حسين غياباً للأبد.

فتحت التلفاز دون وعي على محطة الجزيرة، كان الخبر موجزا دون أي صور، يقر بوقوع ضحايا من برميل أسقط من طيران مروحي تابع للنظام على منطقة سكنية في المزيريب جنوب سوريا، قال المذيع سنوافيكم لاحقا بالتفاصيل المصورة، كان الخبر مهنيا بحتا دون أي نبرة حزن لدى المذيع أو دمعة قد تجري على أحد خديه، ظل جالسا مكانه وانتقل إلى الخبر الآخر بسقوط طائرة ركاب في مطار ما بعد إقلاعها بدقائق، بينما كان ينظر إلى المذيعة بعين جانبية فيغمزها غمزة ذات معنى حين تنتهي النشرة فتضحك حتى يسيل اللون الأحمر عن شفتيها كأنها تعده بليلة أكثر حمرة من هذا المكياج.

هواء الغرفة بدأ ينفذ شيئا فشيئا، فتحت الباب، أغلقته، لم أدر بالضبط ماذا أفعل ، أحسست أنني قيد ضربة يد من المزيريب وأنّ حقدي و حزني قادر على اللحاق بتلك الطائرة وإسقاطها بحجر. صرخت بأعلى صوتي كأنني عالق في الدمار، فتجمع سكان الكامب من حولي غير مدركين للأيدي التي تمتد من بعيد وتخنقني.

الحادية عشر والربع تنبح الكلاب مذعورة وترمي طائرة مروحية من ارتفاع سبعة آلاف متر برميلا محشوا بالحقد فيهوي كوحش جائع يلتهم الأعمار، وينظر الطيار إلى الأسفل عند وقوعه ويضحك، أصبت الهدف بدقة، وما أن تهبط الطائرة حتى يتصل بزوجته التي ما زالت نائمة بعد الحادية عشر والربع من أثر سهرة طويلة على أنغام علي الديك، قضوها ليلة البارحة في أحد الملاهي الليلية ..
ـ حبيبي كيف كان نهارك؟
ـ ما زلت أضحك منذ سهرة البارحة، أحسست بالطائرة ترقص بي على صوت قرع الطبل.
ـ نشرت صورنا بينما كنا نرقص وما هي إلا دقائق حتى هطلت مئات اللايكات، والتعليقات.
ـ لقد فوجئت بسيادة العميد حين جاء إلى الملهى وشاركنا الرقص والشرب ، وأريد أن أشكرك حبيبتي لاهتمامك به ، رغم أنك تجاوزت حدود الضيافة قليلا معه.
تضحك ضحكة ماجنة ملئ قلبها..
– يا الله ما أجمل الحياة لولا وجود هؤلاء الإرهابيين حولنا. ثم تخلد للنوم بعد الحادية عشر والنصف بينما لا تزال مئات اللايكات والتعليقات تنهال على صورة الحسناء في حضن سيادته.

١٨ شباط هو اليوم الخامس لسعد بلع، يقول جدي أن خمسينية الشتاء لو بدأت بجفاف تنتهي بجفاف، غير أن شباط له طبيعة الغدر .. ها قد بدأت بموت يا جدي:
– بدأت ببذر الموت وقطاف الأرواح، منذ هذه اللحظة سيغيب صوت أمي، لن ألمس يدها، لن أسمع عتابها على كثرة تدخيني وعدم اهتمامي بصحتي، تلك الأم التي نتسلح بدعائها أينما كنا، أنظر إلى الخلف فأراها ترتب البيت، تعد لنا الإفطار في ساعات الصباح الباكر وتطمئن على تحلقنا حول المائدة ثم تمضي إلى نهارها، في ذات الوقت يخرج أحد المسؤولين على تلفزيون الدنيا ليقول أن الأزمة على وشك الانتهاء وأن الإرهابيين المتآمرين على نظام الممانعة يتساقطون تحت ضربات الجيش كالدجاج.
أمي تلك المرأة الوقورة التي لا تعرف سوى أن تفخر بأولادها..أمي إرهابية؟!!
صوته صدى يدوي من برميل أجوف، عيناه برميلان مملوءان بالـ (تي ان تي)، يشير بإصبع كالفتيل الناتئ من البرميل مهددا.. أهدافنا محققة سننجز النصر وسنمحو أوروبا التي يلجأ إليها الهاربون من جحيمنا أيضا، ولو ألقوا به من ذات الارتفاع على البيوت فإنه سيحدث خرابا أكثر مما يحدثه البرميل المعدني. بعد ذلك تتابع نفس القناة نشرتها الصباحية بالتركيز على الغذاء الصحي لدى أطفال المدارس والبيئة الصحية الآمنة لنجاحهم وتفوقهم.

كنت جالسا على حافة السرير، قدماي تتأرجحان في فراغ نهاية الأرض المسطحة، معلقا بذات سماء الدخان والغبار المتراقص حول الجثث المستلقية بسلام، طفل يمسك يد أمه وهما في طريقهما إلى المستوصف، ولا يستطيع القدر الأسود فصل اليدين المتشبثتين ببعضهما. عابرون يمضون من أمام مدرسة عين الزيتون إلى أشغالهم ، يتوقف زمنهم عند الحادية عشر والربع وتنتهي رحلة العمر.
مدرسة عين الزيتون التي سميت على اسم قرية عين الزيتون الغافية فوق السفوح المطلة على صفد و التي دُمرت بذات البراميل التي كانت تسمى ( قازانات).

في الأسبوع الفائت استهدف الطيران المروحي أيضا مدرسة ترعان، مما حدا بالمعلمين بوقف التدريس بشكل كامل، لكن هذا اليوم بدأت دورة تدريبية لطلاب الصف التاسع قبيل اختبارات نصف السنة .. نجح القلة منهم قبل تقديم الامتحان بالبقاء على قيد الحياة .. يد واحدة تكفي لتصل إلى سماء لا يصلها الطيران المروحي ٍ وقدم واحدة تكفي للرقص أيضا.

رنين الموبايل لا يتوقف، أجيب وأنا صامت، واقف بين زمنين أحدهما كان لي والآخر لا أعرف ما ينتظرني به، أستمع إلى أصوات مألوفة، البقاء لله ، الله يرحمها .. وأنا أجيب كببغاء يقف على عود رقيق ويردد أشياء لا يفهمها، الشيء الوحيد المفهوم لدي أن أمي لم تعد موجودة، صرخة الولادة بعد تسعة أشهر وسبعة وأربعين عاما تسري في شراييني كأني كنت في رحمها الدافئ لحظة الإنفجار وخرجت إلى عالم بارد، صقيع يمتد إلى كل أطرافي فترتعد أوصالي، وصرخة حادة كأنصال الشظايا تفجر حنجرتي، الغيبوبة تستمر وقوافل من النمل تسري تحت جلدي، كأنني أتحول إلى كائن آخر يزحف بين أشواك الأرض ويلونها خلفه بلون الدم ، كائن يمضي في هذا العالم دون أم يتعكز على دعائها.
الوقت يمضي بطيئا كأفعى خبيثة، ما الذي أنتظره؟ أحرق السجائر واحدة تلو الأخرى وأنظر إلى من حولي بنظرات باردة كنظرة الأعمى.

رن الموبايل، أجبت كأني أنتظر معجزة تبشرني بأن أمي استيقظت من الموت، فأمي لا تموت، ربما تصاب، تفقد وعيها لكن من المحال أن تذهب دون أن تجمعنا حول سريرها وتتلو وصيتها علينا.
ـ أخي راكان أتمنى أن تتماسك قليلا.
بدت لي الكلمة كعزاء بارد يتلوها صاحب عزاء على أخيه.
ثم أكمل: – حورية أصيبت أيضا ووو…
– حورية زوجتي ؟ .. كيف ؟ .. هل كانت تسعف المصابين ؟ .. هل هي بخير الآن؟
ـ لا لكنها كانت أيضا لحظة سقوط البرميل ذاهبة لتودع صديقاتها في المستوصف قبل سفرها إليك.. للأسف وجدناها مع من قضوا في مشفى طفس الميداني، لم يتمكن أحد من تحديد هويتها إلا حازم إبنك، البقية في حياتك..

انهارت السماء دفعة واحدة كسقف إسمنتي فوق رأسي ، أي بركان هذا الذي يطلع من أعماق الخوف فجأة ويحولني إلى جلدٍ ميت يتشابك مع الشياطين الهاطلة من السماء ثم يقذف حممه بوجهي، أين تلك الزلازل التي وعدت بنهاية هذه الأرض ومن عليها؟
ليس هناك وقت ليمر.. لا وقت لدفن الموتى أو لخيام عزاء، فالبشر ما زالوا في الكهف هناك، يأكلون لحم بعضهم حين يغفلون قليلا، وحوش آدمية تستطيب القتل والدم.
هواء الغرفة.. هواء المدينة.. هواء العالم لا يكفي ليملأ رئتي المخترقة ، يا رب القهر.. هذا الهواء يخنقني ، أي مشاعر حزن تلك التي تقبل القسمة على عالمين.. على سيدتين من زهر وقرنفل ، وأنا غارق حتى أذني في وحل ينزح بي نحو جزيرتين ثم يتحول إلى صخور صلدة شيئا فشيئا ، يحطم أشرعتي ويشل حركتي إلى الأبد، اللعنة على الأبد منذ الوالد حتى ولد الولد.
أهكذا تكون النهاية يا حورية؟
لم يكن يجدر بك الموت هكذا فالحياة تليق بك أكثر. وعدتني باللحاق بي أنت والأولاد لكنك حنثت وعدك ومت. أين مرافئك التي سترسو بها قواربي بعد هذا اليوم وعيناي التي تتطاولان إلى زهور حدائقك والأيام المفعمة بالجمال التي قضيناها ، كنت سأحكي لك آلاف الحكايا عن المدن والبحار ومغامرات زوجك المجنونة وعن الطرق التي انتظرتك بها ولم تأت. لا داع للغيرة فانت تظلين كما أنت .. وردتي وكتابي والقمر الذي ألامسه في محيط وجهك وأنا العاشق الذي لا يهزم …
ارجوك لا تغضبي فأنا أقول هذا العتب القاسي بسبب الحب، الحب الذي تتعفن الحياة من دونه.
هل حقا ما يحصل حقيقة ؟ أم أنني أهذي وأواصل المنام صاحيا ..
كتبت لك صباحا رسالة لم تقرأيها بعد.. مدي يدك إلى هاتفك المصاب لعلّ الحياة تعود إليه مرة أخرى، ويزول الموت. أتمنى أن تجدي أو أجد وقتا لا يشبه هذا الكابوس لأتلوها لك.
حبيبتي كتبت لك الكثير من قصائد الحب على مفكرتي و دفتر مذكراتي ، مازلت بانتظارك لنعوّض هذه الأيام الصعبة بأفراح. سفيرة فلسطين في هنغاريا وعدتني بمقعدين في كلية الطب بجامعة بودابست لرهف و حازم، كل شيء أعدّ كما نشتهي . خبأت لك أوراق الورود بين طيات دفاتري و اشتريت لك زجاجات العطر، أرجوك لا تتأخري
زوجك المحب راكان ١٨ / ٢/ ٢٠١٤ .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s