جميل جرعتلي: أنا الذي رأى

جميل جرعتلي: أنا الذي رأى
 
 
 
 
زي بوست:
 
 
 
 
محمولاً على الأكتاف لأول مرة، تلك كانت جنازتي، الشيء الوحيد الذي أذكره هو استيقاظي من غيبوبتي لأجد نفسي داخل تابوت يتأرجح على أكتاف المشيعين، كان بإمكاني الصراخ والخروج من هذا الصندوق الخشبي لكن لماذا؟ رب رمية من غير رام!.
 
رغم كل مظاهر التصحر الموجودة في النفوس؛ كان بالإمكان توقع اكتظاظ الطريق المؤدي من بيتي إلى المقبرة، لا شك أنه قد فاض بالناس مثل الدموع المنهمرة هذه اللحظة من عيون أمي وزوجتي، التابوت يهتز ويميل إلى الأسفل، لابد أنهم خرجوا من حارتنا وأصبحوا في الحارة السفلى من الضيعة، يبدو أننا صرنا عند نزلة أبو يوسف، لا شك أن أبا يوسف يلوم حظه العاثر الآن، فقد أفرد لي صفحتين كاملتين في دفتر ديونه، أعتقد أن له بذمتي ألفي ليرة وعلى الأرجح أنها ستكون ديونًا ميتة، فمن سيرد له المبلغ؟
 
كنت ملفوفا كتبغ، لدي رغبة شديدة في تغيير جهة الاتكاء التي وضعوني بها، ومن محاسن القدر أنني تدحرجت داخل صندوقي الخشبي عندما عبروا الحفرة الممتدة على الطريق الفرعي والتي عجزت البلدية عن ردمها في كل خططها الخمسية.
 
في الخارج علا صوت النحيب والبكاء كنت على وشك أن أصرخ، فأنا أحق منكم بالبكاء على هذا العمر الذي ضاع هباء، لكنني انكفأت على نفسي خشية افتضاح أمري وبدأت أرتب مستودع ذكرياتي للمرة الأخيرة. كنت كل صباح أدخل مستودعي، أنفض الغبار عن رفوفه، ألمعها، أرتب ذكرياتي الحلوة والمرة، رف لأشيائي الحميمة التي تضم أصدقائي وعائلتي وكتابي المفضلين، بضاعتي تلك لا أبيعها أبدا، لا يعلو وينخفض سعرها تبعا لسعر الذهب أو الدولار أو الين الياباني، ولا ترتبط بأي بورصة، ذكرياتي تلك مخبأة في صندوق عمري الأسود الذي لن تجده كل فرق الإنقاذ مهما حاولت.
 
رف آخر لمسيرة حياتي يبدأ بمجيئي إلى هذا العالم دون رغبة، ودون إلحاح يذكر من والدي فلم يكن لي حرية الاختيار بالقدوم إلى هذا الكوكب الأزرق المرمي على طرف ذراع المجرة.
 
رغم غيظي الشديد لهذه الإقامة الجبرية لم تعتذر الحياة مني بل راحت جدائل DNA تلهو راقصة بتشكيلي حسب شيفرتها الوراثية خلية خلية وعضوا إثر آخر، وراحت جيناتي ترسم لون عيوني وشعري وطول قامتي وأمراضي الوراثية المؤجلة بينما كنت شاهد عيان لا يحق لي التدخل أو الاعتراض، فقط علي أن أتكيف مع بيئتي الجديدة.
 
في البداية اندهشت من كل ما يحيط بي، أياد تحملني وأخرى تهدهدني وتارة تهددني كنت أستغرب قدرتهم السحرية على المشي والنطق وتحريك أجسادهم بتلك الدقة والمرونة، لم تكن لدي الرغبة بتقليدهم ولا التحرك بمساحاتهم ومدنهم المكتظة بكل شيء. غريب كما لو كنت في حفلة سيرك، ولكن لم تمض عدة سنوات حتى أصبحت نسخة كربونية عنهم حيث تم تدجيني والتحكم بطريقة تفكيري وتصنيفي ضمن هويتهم الضيقة من دين وجغرافيا وأنساب حسب عاداتهم وتقاليدهم متناسين هويتي الحقيقية ككائن بشري، وفي غفلة مني وعلى طريقة الفيروس الذي يستنزف المواد الغذائية من الخلايا التي يعيش فيها مجبرا إياها على صنع نسخة منه ,ليهجرها -بعد أن تلِفت ولم تعد صالحة للسكنى– إلى خلية أخرى، بنفس الطريقة تمكنت الحياة مني.
 
في المدرسة ألبسونا لباسًا موحدًا وعلمونا تعليمًا موحدًا، وبدؤوا بتعليمنا التاريخ والدين والجغرافيا واللغات الأجنبية تلافيًا لصدام الحضارات، لكن ما يؤسف أن كل تاريخ البشرية الذي علمونا إياه؛ كله دم وقتل وحروب واحتلال، فلا تختلف حروب الفراعنة عن حروب ترومان وهتلر والهنود الحمر، كلٌ يحاول أن يلوي عنق الحقيقة، فرغم ازدياد معدل الذكاء لدى البشر وكثرة الاختراعات والقوانين والمواثيق، مازالت الحروب تنتشر كالجرب، ومازال الكائن البشري ينظر إلى الآخر نظرة دونية بسبب اللون أو الجغرافيا أو الاعتقاد، فعلى الرغم من انحسار الغطاء النباتي والغابات مازلنا نحيا بنفس الطريقة التي كنا نعيش بها في غابات السافانا.
 
مازال الأقوى هو الذي يتحكم بالبقية مازال “الهومو سيبيس” هو الحاضر بيننا مع فارق أنه أصبح يستخدم الشوكة والسكين ويلبس الكرافيت ويجلس في دور الأوبرا يستمتع بالموسيقى الكلاسيكية، أنا لا أفهم كيف يستطيع من يقرأ لشكسبير وسرفانتس ويستمع لفيردي وبوتشيلي، كيف يستطيع أن يبرر أن يقتل إنسان آخر؟ أو يصمت عن استغلال دولة لأخرى؟ أو حضارة لأخرى؟ كيف يستطيع أن يغمض عينيه عن موت طفل من الجوع في مجاهل إفريقيا؟ أو إبادة شعب؟ وفي الوقت نفسه يكتئب إذا مرض كلبه الأليف أو قطته؟
 
نحن الكائنات المتعددة الخلايا، أصحاب الانقسامات الخلوية والحموض الأمينية، مازلنا متعددي الأحكام ننقسم على أنفسنا دون مثل عليا أو قواعد صارمة لمكافحة الشرور أينما كانت فمازلنا نعيش حياة القطيع دون أمل بحوار بين القطعان.
 
أنزلوني عن الأكتاف، وبدؤوا يتلون الصلوات على روحي المتعبة، وشيئا فشيئا، بدأت الإضاءة تخبو والأصوات تتلاشى لا بد أنهم أنزلوني إلى القبر.
 
لست حزينا لأني فارقتكم، أنا حزين عليكم، على الانقراض المفاجئ للديناصورات في نهاية العصر الكريتاسي، حزين على كل موجة عبرت صيوان الأذن وكل فوتون اصطدم بالعين، حزين على غروركم يا أبناء مركبات السكر الأحادية!.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s