محمد علواني: التحرش وعنف التعري.. محاولة لتفكيك جنون جماعي!

محمد علواني: التحرش وعنف التعري.. محاولة لتفكيك جنون جماعي!

زي بوست:

“من المفيد أن يتعلم المرء مقاومة الأقوال المتداولة، وألا يقول المرء إلا ما يريد قوله” فرانسيس بونج
 
عندما شاهدت فيديوهات التحرش بفتاة المنصورة أول ما قفز إلى ذهني هو جماعية هذا التحرش، بل هو أول ما وقعت عليه عيني _ وعين كل دارس للمجتمع يجب أن تسبق عقله_ فقد اعتدنا على تواتر حالات التحرش في هذا المجتمع، لكن أن يتحرش جمع من الناس بفتاة أو فتاتين، ويظهر الأمر وكأننا في مظاهرة احتجاجية، فهذا أمر يستحق التأمل والنظر.
سأحاول هنا أن أقرأ هذه الظاهرة وفقًا لمقولات علم الاجتماع؛ فهو علم الأزمات كما هو معروف، وقد قال آلان تورين: “إن تقدم علم الاجتماع يفترض كقاعدة وفي وقت واحد أزمة في النظام الاجتماعي”(1).
تخلق السوسيولوجيا الأزمات _ من جهة كونها تطرح على نفسها وعلى المجتمع أسئلة مزعجة، وتبحث وبشكل دائم عما هو خاف ومسكوت عنه_ لكنها تسعى، وفي الوقت ذاته، إلى حل أو تفكيك هذه الأزمات، إذًا ما جدوى سؤال بلا إجابة؟!
وإن لم يكن بوسعنا الآن تقديم وصفة جاهزة للتخلص من معضلة التحرش، فسنحاول، ما وسعنا الجَهد، أن نعمل على تفكيك هذه الظاهرة، في ضوء الواقعة التي نسعى إلى استقصائها في هذا المقال، أعني واقعة التحرش بفتاة المنصورة.
الإكراه الاجتماعي.. مجتمع فالت من عقاله!
إن جوهر الحياة الاجتماعية _ في نظر عالم الاجتماعي الراحل إميل دوركايم 283 الأشكال الأولية_ هو الإكراه (2)؛ فكلي يضمن المجتمع لنفسه البقاء، والمحافظة على أسسه ومعاييره يتعين عليه أن يقهر الجميع لينتصر وحده، وأن يعاقب كل من يتجرأ على الخروج على هذه القواعد وتلك المعايير الاجتماعية.
لكن تُرى هل أكره المجتمع المتحرشون جماعيًا أن يفعلوا ذلك؟ وما هي أدواته التي استخدمها ليجبر شارعًا كاملًا على التحرش بفتاة أو فتاتين قررتا كشف بعض الأجزاء من جسديهما؟
الإجابة على هذا السؤال ستكون عكسية، بمعنى أن المجتمع لم يكره المتحرشين على التحرش، بل كانوا هم الأداة التي استخدمها هذا المجتمع لمعاقبة هذه الفتاة التي قررت الذهاب إلى إحدى شوارع المنصورة بـ “الميني جيب”.
يُفهم من هذا إذًا أن الإكراه الممارس هنا تم على الفتاة وليس على المتحرشين بها، هذا هو بالضبط ما حدث. ويفهم من هذا أيضًا أن القاعدة الاجتماعية في مصر باتت ترفض هذا النوع من الزي، وبطبيعة الحال لسنا في حاجة إلى القول بإن غير المحجبات، أو اللاتي قررن كشف بعض أجسادهن يتعرضن، يوميًا، لموجات هادرة من التحرش بشتى أنواعه وأشكاله.
نحن، إذًا، إزاء تحول بنيوي في هيكل المجتمع المصري؛ إذ لم يعد متقبلًا سوى لنمط معين من اللباس، وطريقة معينة في الحديث، حتى أن كل من يخالف التيار الفكري العام _ الذي هو منحط من دون شك_ صار منبوذًا، مرفوضًا من قبل “الكل الاجتماعي”. هذا بالضبط ما حدث مع فتاة المنصورة. وكل من حاول الوقوف في وجه تيار التفاهة الهادر، أو حاول بأي وسيلة كانت أن يوقف زحف الغائط علينا سيتعرض لمثل ما تعرضت له هذه الفتاة وربما أكثر.
جميعنا، إذًا، أسرى لحالة معينة من الوعي، هو وعي منحط، ولم يعد بإمكاننا التصريح بمخالفة التفاهة والانحطاط إلا بشق الأنفس، لا أظن أن أحدًا الآن من ذوي الذوق الرفيع أو الحس السليم يمكنه أن يعبر عن هذا الذوق إلا وستتم السخرية منه.
وإلا هل يمكن لأحد الآن أن يصرّح بسماعه لـ “بيتهوفن” أو إعجابه بـ “شوبان”، أو أنه مثلًا يقرأ نيتشه، وهل يمكن لأحد أن يتحدث بلغة عربية فصحى بدون أن يتعرض لموجة تنمر وسخرية عاتية.
ولنتذكر أيضًا أن السخرية هي إحدى ميكانيزمات المجتمع لحفظ النظام العام؛ أعني السخرية من الذين قرروا السير عكس تيار الوعي المنحط.
التدجين الاجتماعي.. أو سلفنة المجتمع:
قلنا إن المجتمع مارس ضغطه وإكراهه على الفتاة وليس على المتحرشين بها، ألا يعني هذا أن المجتمع برمته فالت من عقاله؟ هو كذلك بالضبط، فالنمط المقبول من زي المرأة هو الزي المحتجب أو المنتقب _ ليس بوسعي طالما أنني أتناول المسألة من زاوية علم الاجتماع أن أرفض أو أؤيد هذا الزي أو ذاك وإنما نحن نضع الوقائع إلى جوار بعضها ونحاول قراءة الصورة العامة_ ومن ثم فكل من خالفته ستلقى نفس مصير فتاة المنصورة مع الاختلاف في حدة التحرش بطبيعة الحال.
لكن ما الذي أدى بالمجتمع إلى هذا الحضيض؟ ألم يكن هو نفسه المجتمع الذي كانت تُرتدى فيه ثياب قصيرة في الستينات ولم يكن يتحرش بالنساء أحد؟
كلنا يعلم أن المجتمع المصري خضع وعلى مدى عقود متوالية لسيرورات سلفنة _ أي خلع الطابع السلفي على المجتمع_ وأسلمة، ناهيك عن جلب نمط فكري وهابي إلى هذا المجتمع، وهو الذي أنتج هذه الحالة المتردية من الوعي، وهذه العقليات التي لا شيء فيها سوى نساء عاريات وأحذية مقلوبة.
ولن نعدم دليلًا ولا واقعة لنؤكد أن هذا النمط من التفكير يحتقر المرأة أيما احتقار، وينظر إليها كخادمة لزوج ما، وإلى جسدها كسلعة. أليست هناك مقولة شهيرة يرددها الإسلاميون عند كل حالة مشابهة متذرعين بها على حتمية النقاب أو الحجاب على الأقل وهي المقولة التالية: “النساء لحم على وضم إلا ما ذب عنه”.
وبغض النظر عن قائل هذه العبارة وعن صح نسبتها إليه، إلا أنها تكشف عن نمط وعي، وطريقة تفكير المستدلين بها، فـ “النساء لحم” هكذا فقط، هل يتصور أحد أن هذا الكلام يقال في بلد عُبدت فيه المرأة قبل آلاف السنين؟!
“إلا ما ذب عنه” وهنا يتم النظر إلى الرجال على أنهم مجموعة من الكلاب أو الذباب التي تتصارع على لحم هذه الأنثى أو تلك، انظر كيف يُحتقر المرأة والرجل معًا!.
وثمة أمر لافت هنا يتعين الإشارة إليه ولو على نحو سريع: وهو أن المجتمع، أي مجتمع، ليس ثابتًا أبدًا، بل هو معرّض، وبشكل دائم، لموجة تغييرات بنيوية، فهذا المجتمع المصري الحالي بنمط لباس أفراده، وذوقهم الفني والأدبي.. إلخ هو ذاته المجتمع الذي كان كل هذا فيه مرفوضًا في حقبة زمنية سابقة، كل شيء يخضع للتغيير، إذًا، لكن لابد من الرغبة في ذلك أولًا.
عنف التعري.. اللحم العاري كنقد:
يقول بورديو: إذا كان للسوسيولوجيا دور فسيكون إعطاء أسلحة أكثر من أن يكون إعطاء دروس”(3).
لكن تُرى ما هو السلاح الذي يمكن أن نستخدمه لوضع حد لهذا الجنون الجماعي الذي رأيناه في هذه الواقعة _ فتاة المنصورة_ وربما نراه مرات أخرى تالية؟ إنه اللحم العاري ذاته، نفس السلاح ولكن سنستخدمه بطريقة مغايرة.
وقبل الإسهاب في شرح هذه الفكرة _ التي هي نوع من مواجهة الجنون بالجنون وليس أكثر_ سأشير إلى واقعة أخرى حدثت مع عالم الاجتماع والمفكر الألماني الراحل ثيودور أدورنو، فقد كان الرجل متوجهًا لإلقاء محاضرة ما _ كان هذا قبيل وفاته بقليل_ فحاول بعض المتظاهرين منعه من صعود المنصة، لكنه وبعد أن وصل إلى منصته بشق الأنفس، فوجيء ببعض الطالبات يواجهنه بأثدائهن العارية كنوع من الاحتجاج، كنوع من النقد.
يعلق بيتر سلوتردايك على هذه الواقعة قائلًا: “ليس تعري العنف هو الذي جعل الفيلسوف لا ينطق ببنت شفة، بل هو عنف التعري”(4).
إذا استخدمنا نفس هذا السلاح _ الجسد العاري_ كنوع من النقد، فلن نوجه خطابًا للفتيات ذوات التنانير القصيرة أو الشعور المكشوفة مفاده بأن يلزمن بيوتهن، أو أن يسرن في الشوارع متخفيات، بل بالعكس، أن يمارسوا حياتهم بشكل عادي وطبيعي، وأن يعتبرن كشف شعورهن أو تنوراتهن القصيرة كسلاح نقدي في مواجهة تيار من العنف، والتعصب، والتخلف الذي بات يسد علينا أنفاسنا.
المرأة المدجّنة: أو عندما تأتيك الطعنة من الخلف:
كان من بين الأمور اللافتة في واقعة فتاة المنصورة ليس أن هناك الكثير من الرجال الذين يوجهون اللوم إليها، ولا أن بعضهم يرى أنها تستحق ما فعل بها، ولا أن هناك بعض النساء يرين أنها هي سبب ما حدث لها، وبعضهن أرجع سبب التحرش بها إلى ثيابها القصيرة، وكأن المنتقبات لا يخضعن هن أنفسهن إلى هذا التحرش _ مع اختلاف أشكاله وصوره_، إنما كان أغرب ما في الأمر هو موقف الفتاة التي تم التحرش بها نفسها.
إذ تنازلت عن المحضر، واعتبرت الأمر كحادثة عادية. لعل هذا النمط من النساء هو الذي عنته جيرمين جرير بـ “المرأة المدجنة” وهي تلك المرأة التي لا تقتنع سوى بجلد نفسها، وعلى معاقبة ذاتها. فهي لا تدافع عن النساء مثيلاتها بل إنها تقوم بجلدهن ومعاقبتهن كما يفعل خصوم المرأة دائمًا، إنها إذًا تلك المرأة التي استأنسها المجتمع الذكوري، وسلب وعيها، واستخدمها كأداة للبطش والفتك بكل قيمة نسوية بل وإنسانية حتى.
 

المراجع:
1- آلان تورين: من أجل علم الاجتماع، ترجمة: تيسير شيخ الأرض، مراجعة: وجيه أسعد، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، 1979، ص 92.
2- إميل دوركايم: الأشكال الأولية للحياة الدينية: المنظومة الطوطمية في أستراليا، ترجمة: رنده بعث، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ص 293.
3- بيير بورديو: أسئلة علم الاجتماع: حول الثقافة والسلطة والعنف الرمزي، ترجمة وتقديم: إبراهيم فتحي، دار العالم الثالث، القاهرة، ط 1، عام 1995، ص 113.
4- بيتر سلوتردايك: نقد العقل الكلبي، الجزء الأول، ترجمة وتقدم: ناجلي العونلي، دار الجمل، بيروت، 2019، ص: ص 40 : 41.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s