عبد الغني حمادة: الفحم 6

عبد الغني حمادة: الفحم 6

زي بوست:

ﻻ أحد يمنعني من أن أكون سعيدا…
أﻻ يكفي أنني ﻻ زلت على قيد الحياة وبصحة تامة، وكامل أفراد أسرتي أيضا ينعمون بالعافية!!.
جارنا في البناية المقابلة أومأ لي من شرفة بيتهم:
– سمعت أنهم سيوزعون اليوم حصة إضافية من الفحم للسوريين المحتاجين…
جاري كان جادا، وليس من عادته المزاح أصلا، لم أكذب خبرا.
هرولت على الدرجات كالقط المطارد، شمس الصباح كانت بكامل حسنها وبهائها، شعرت أنها تغازلني، وتدعوني لتمنحني دفئها وحنانها دون مقابل.
أليس هذا ما يجعل أي إنسان سعيدا!!.
فالشمس في الشتاء تبعث السعادة في النفس.
سابقت ظلي على الأرصفة اللامعة، لن أدعه يسبقني، أﻻ يجعلني الفوز على ظلي في برج السعادة!!.
أن أتغلب على نفسي فهذا أمر يجعلني سعيدا جدا.
في أحد المنعطفات كاد ظلي يتجاوزني. ماذا أفعل يا إلهي؟.
لن أيأس.
عقلي الفرح جدا بي أشار لي بأن أتابع السير للأمام، وهمس في أذني:
– ﻻتدعه يسبقك، اسمع نصيحتي.
تابعت سيري في أماكن تفرد عليها الشمس شعرها الذهبي، على الطرف الآخر من الحديقة المجاورة لمكان توزيع الفحم، اخترق أذني بكاء طفل صغير، ركض إلي وأشار لبالون معلق على غصن شجرة التوت.
فهمت أنه يريده، لم تكن الشجرة عالية. فككت الخيط المشربك، وناولت البالون للطفل. فتوقف عن البكاء، وقبل يدي عرفانا منه بجميل أسديته له، مسحت دموعه، قبلت جبينه،ثم لوحت له بيدي مودعا…
أليس هذا ما يجعلني أعوم في بحر كبير من السعادة!!.
ما أذهلني فراغ ساحة الفحم إﻻ من شابين صغيرين كانا ينكشان اﻷرض بعودين رفيعين..
– أهلين أستاذ… مافي فحم اليوم…
صافحاني بحرارة، إنهما من ساعداني سابقا بإيصال اﻷكياس لبيتي..
– وماذا تفعلان هنا؟…
مثل هؤﻻء العمال يلاحقون شاحنات التوزيع من حي ﻵخر، لعلهم يظفرون ببضع ليرات يعتاشون بها مع أسرهم…
– اليوم لن نستطيع أن نشتري شيئا للبيت.
ضحك الصغير..
– أصلا اليوم أمي صائمة…
سألتهم عن سبب عدم التحاقهم بالمدارس . فقال كبيرهما:
– التعليم أم الأكل استاذ؟….
أستاذ إذا لم نعمل نموت من الجوع، ( عض على شفته العليا وأطرق في الأرض ).
– وأين أبوك يا بني؟.
– أبي!!… ﻻ أعرف.. مافي أحد غيري يعمل في البيت… أمي تقول أنه سافر إلى أوربا، وانقطعت أخباره.
لكزه رفيقه:
– ولم الخجل؟. أستاذ أبوه غرق في البحر قبل أن يصل ﻷوربا…
– وأنت يا بني ما قصتك؟.
– أنا !!.. أنا مالي أب … يعني أبي معتقل عند النظام منذ أيام المظاهرات … وﻻ نعرف عنه شيئا، يمكن مات تحت التعذيب، ﻻ أعرف…
يكفينا اليوم ثمن الخبز فقط …
حديثهما أحزنني ، فكم من اﻵباء تركوا أبناءهم للقدر، تركوهم مرغمين يصارعون أنياب وحوش الحياة رغم ضعفهم!!.
نهرني عقلي بعنف:
– ﻻ تستسلم … هيا أعدك بفرح ما فرحته بحياتك.. هيا أدخل السعادة لقلبيهما… ﻻ تكن بخيلا… اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب…
– ما ألأمك يا عقلي.. وما أمكرك !!.
انهمرت دموع الفرح على خدودهما، وهما يقبلاني ويشكراني …
بمبلغ بسيط جدا حولت بؤسهما، وحزنهما إلى فرح ملأا الدنيا به…
كم أنا سعيد اليوم!!.
عدم رؤية المسؤول عن توزيع الفحم بوجهه الصارم، أﻻ يبعث السعادة في النفس!!، ثم ، صحيح أنني تنازلت عن تناول فنجان من القهوة المغرم بها، لكنني صنعت لغيري سعادة أسعدتني، وجعلتني أطير بلا أجنحة من الفرح… قبل أن أصل إلى البيت بزقاق، لفتت نظري، كانت تعاني من حمل عدة أكياس.
صبية جميلة ، ينسدل الشعر الفحمي على كتفيها كخصلة حرير هفهاف، ودون أن أستأذنها، حملت معها اﻷغراض وأوصلتها لباب بنايتهم غير البعيد عن سكني… وبالتركية شكرتني وعيناها تلتمع ببريق الفرح….
أعطتني حفنة صغيرة من السكاكر للأطفال بعينين طافحتين بالشكر والامتنان.
أليس هذا ما يسعد أي إنسان!! …
عقلي الماكر لكزني:
– حنون… طول عمرك حنون… لو كان رجلا هل ستساعده؟.
– يا لئيم … ما أخبثك !! نيتك عاطلة … أنت عقل بلا أحاسيس وﻻ عواطف ، وﻻ حتى مشاعر…
في المراحل الأخيرة ، وبتعاضد مع الشمس الهاربة نحو الغروب، استطاع ظلي أن يسبقني، وراح يمد لسانه كالشيطان ، كأنه يقول :
– العبرة بالنتيجة… لقد فزت عليك أيها الهرم…
منظره وهو يمد لسانه هازئا أثار في نفسي السعادة… لقد ذكرني بمهرجي السيرك ..
تعلقوا بعنقي كالعناكب، على أكتافي كفراشات مزركشة، وهم يغنون:
الله يطول بعمرك يا جدو … الله يديمك يا بابا…
ومازاد الجو بهجة تلك المدفأة المتراقصة بجمر الفحم الحجري… ثم حضرت فناجين القهوة بكامل هيبتها وروعتها، لتزيد سعادتي إكليلا بألوان قوس قزح ……..
‏Kilis ..Turkey

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s