عبد الغني حمادة: مسبّع الكارات

عبد الغني حمادة: مسبّع الكارات

زي بوست:

لولا أن صاحب الفندق كان ذا بال طويل لدكنا موظف الاستقبال في نظارة مخفر قسم باب الفرج بحلب كصيصان المداجن!!..

– مجانين، أنتم جدبان، هل يعقل أن تذهب (سونيا) مع هذا العدد؟!!.
سأعد للعشرة، وإذا بقي واحد منكم هنا، سأتصل بالمساعد جميل، ليجركم وراءه مثل الكلاب.

بعد أن مالت الشمس نحو الأفق الغربي، لتختفي خلف جبل الشيخ بركات، تجمعنا بقيادة كبير الشلة، مسبع الكارات صاحب الباع الطويل في مخاضات الحياة.
قبل أن نتكدس في البوسطة الصفراء، وقد ارتدينا أجمل ما لدينا:
– أعطوني ما بحوزتكم من نقود، فأنا المحاسب.
أخذ القطع النقدية المعدنية، حتى تهدلت جيوبه، وكادت تنفزر.

كنا سبعة عشر شخصا بين شاب ويافع، وكنت أصغرهم، بينما مسبع (الكارات) هو الأكبر سنا، و الأضخم جسما. لم تكن المدينة بعيدة عن قريتنا، فلم يكد بعض الشباب ينهون سجائرهم حتى وصلنا إلى ساحة سعد الله الجابري.

– اسمعوا يا شباب، محطتنا الأولى في سوق الانتاج، ومن ثم نقرر المحطة الثانية.
مسبع الكارات، هو من يقرر، ونحن ننفذ كالقطيع، مبهورين بخبرته، ومعرفته الكبيرة بأسواق حلب وشوارعها.
اتجهنا غربا نحو سوق الانتاج في حي المحافظة.

حلب في الليل لا كالنهار، لأول مرة أراها بهذا الألق والتألق، كانت أجمل من عروس في ليلة زفافها، القناديل تزين الشرفات، والأضواء الملونة تزيد ساحاتها جمالا على جمال، فيما كانت الأشجار وكأنها تستحم بباقات الأضواء فبدت كعرائس زفتها السماء لأرصفة المدينة.

سوق الانتاج كان مدينة صناعية وزراعية وتجارية مصغرة عن حلب، مئات الأجنحة تكتظ بالبضائع المصنعة محليا، بدءا من الصابون والزعتر والعطورات والتوابل والحلويات والبوظة، وانتهاء بالصناعات البلاستيكية والحرف والمهن اليدوية، مرورا بالألبسة التي يسيل اللعاب لجمالها.

أما النساء. فالحديث عنهن لا ينتهي، لأول مرة أرى أجسادا من بلور وعاج وزيد البحار، تلتمع سيقانهن وكأنها شعاعات من الضوء الأبيض.
تناولنا البوظة والبسكويت، واشترى كبيرنا لكل منا، (حنجور) عطر ماركة كرزة وفتوح.

فجأة ارتفعت أصوات شجار، مشاحنات نشبت بين جماعتنا وشلة أخرى من أهل المدينة، جراء خلاف على صبية، يبدو أن أحدنا أصابها بيده، عن قصد، أو دون قصد.
وهكذا بدأت المشكلة، ولولا حنكة قائد شلتنا، لحدث لنا ما لا تحمد عقباه.

– الأفضل أن نخرج من هنا إلى المحطة الثانية.
– إلى أين؟!!.
– سنذهب إلى (بستان كليب)، ومن لا يرغب منكم فليعد إلى القرية مع البوسطة.
اتجهت الأنظار إلي، باعتباري الأصغر سنا، وإلى ابن إمام المسجد، الذي كان مبهورا جدا بهذه الليلة.
أما أنا، فقد كنت برفقة أخوي الاثنين، الأكبر مني عمرا، وهذا ما برر بقائي معهم.

– هل ستذهب معنا يا حسن؟!!.
– وهل هناك ما يمنع مرافقتي لكم؟!!.
تأبط مسبع الكارات ذراع حسن ابن الإمام، و وشوشه جانبا، محاولا إقناعه بالعودة إلى القرية، خوفا عليه من عقوبة والده أولا، و لعدم الرغبة بمرافقته لنا إلى (بستان كليب) المشبوه، هذا ما عرفته لاحقا!!.
– وماذا ينقصني لئلا أرافقكم؟!!.

كنا نقف أمام الفندق، وحده مسبع الكارات، كان يدخل ويعود مسرعا، إلى فندق آخر.
يا إلهي كم كانت هؤلاء النسوة حسناوات، تلمع خدودهن كالبورسلان الملون، وأصوات أكعاب أحذيتهن تعزف ألحانا توقظ الشهوات من خدورها.
كنت ألمحهن من خارج الزجاج وهن يصبغن شفاههن بأقلام الحمرة، ويرشرشن العطور على أجسادهن الريانة.

– كم أنت خبير يا أبا مرة!!. لم يخطئ من لقبك بمسبع الكارات.
لسوء الحظ، أو لحسنه لا أعرف. فقد باءت محاولات زعيم الشلة بالفشل الذريع، ولو لا حنكته، وطراوة لسانه مع مدير الفندق في آخر فرصة لنا، لقبضت علينا الشرطة بدعوى مخلة بالآداب!!..

أخذ منا التعب نصيبا وافرا، وعندما فقدنا الأمل بالعثور على عاهرة، أيا كانت، فقد قررنا العودة بخفي حنين إلى القرية.
ودون أن يستشير أحدا، دخل محلا للمشروبات، واشترى خمس بطحات من العرق، وخمس زجاجات بيرة، وكيلو من الموالح. ورجعنا مكسوري الخاطر إلى القرية.

– يا شباب، من لن يسكر معنا، فليذهب إلى بيته، وغدا نتحاسب بالمصروفات.
جميع أعضاء الشلة، تابعوا السهرة.
ولأنني الأصغر سنا وحجما، فقد جلست على باب المربع، أما ابن الإمام، فقد وقف خارج الغرفة على النافذة المطلة على الشرفة.

بدأت الأقداح تدور، والأغاني تلعلع، ورائحة العرق ملأت الغرفة باليانسون، والضحكات راحت تعكر صفو دار أبو مرة.
حدث ما لم يكن بالحسبان. فالأخ الأصغر من زعيمنا، وفي غفلة من الجميع، أيقظ والده، الذي كان يقفز الدرجات، وهو يعربد ويلوح بعصا السنديان، دخل الغرفة هائجا، يضرب ذات اليمين، وذات الشمال.

تطايرت شظايا الكاسات، وتناثرت حبات الفستق والقضامة في كل مكان.
هربنا مذعورين كالقطط، فررنا كلنا من العصا، إلا الزعيم فقد صب كأسا، ورفعه، وقال بصوت ممطوط، وبلسان ثقيل:
– بصحتك حجي!!..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s