دينا عاصم تكتب بأسلوبها الفريد عن الطرب الشعبي المصري وبروح المرأة المتدفقة بين كلماته وألحانه

دينا عاصم تكتب بأسلوبها الفريد عن الطرب الشعبي المصري وبروح المرأة المتدفقة بين كلماته وألحانه

زي بوست:

الناس المغرمين ميعملوش كده….دي ليلة بيضا والنبي بيضا…(.اسمك ايه ..عدوية…اه يا عدوي)…كعب الغزال… فزدق يا مملح… يا بنت السلطان… يا جلاب المصايب=======

منذ كنت صغيرة ويلفت انتباهي في الأفلام الأبيض والأسود..نموذج المرأة المصرية في الحارة الشعبية التي تمشي تتبختر مثل إوزة رشيقة وقد التحفت بملاءة سوداء..تصرح بالجمال رغم محاولتها غير الجادة في إخفائه..

ثلاثية نجيب محفوظ على سبيل المثال “أكلت عقلي” ونجحت في وصف الحارة المصرية ونسائها ورجالها بتفاصيل غاية الروعة…

ووقعت أسيرة الأفلام التي تتحدث عن الحارة المصرية بجدعنتها وشهامتها وجمال بناتها الرباني وقوامهن المميز ..

وحين ذهبت منذ شهور لمنطقة الحسين التي أعشقها التقطت لنفسي وللبنتين صورا عديدة بالملاءة اللف والبرقع ومنديل الرأس الملون بل واشتريتهم حبا في هذا الشكل المصري الجميل الذي كانت تظهر به الفتاة المصرية بنت الحارة الشعبية بجمالها وخفة ظلها وقوامها اللدن المميز…وظلت صورتي بالبرقع أحب الصور لقلبي..تذكرني بمصريتي وأصولي…

كانت الفتاة المصرية غاية الجمال والأصالة والتميز قبل الهجمة الوهابية الشرسة على الزي المصري..

ولم أكتفِ بالأفلام لتي تتحدث عن الحارة المصرية بل أصبحت معجبة لدرجة الهوس بالمغنيين الشعبيين ..”القدمااااء” يعني محمد عبدالمطلب الذي كلما ذكرت اسمه لشخص ينظر لي طويلا كأني أتحدث عن مخلوقات فضائية غير موجودة.. وكأني جاية من كوكب تاني..كوكب القرود غالبا…لأني أجد عبدالمطلب بخفة ظله وطربوشه الأحمر المائل على جانب رأسه مثال للحبيب القديم الجدع صاحب القلب الطيب “مش زي اليومين دول” ابن الحارة المصرية الذي يذهب من أجل حبيبته مرتين يوميا من السيدة لسيدنا الحسين فقط “لينال الرضا”.. يا قلبك ياعم طلب…وحين يضحك على اسماعيل ياسين وهو يغني أغنيته الشهيرة ..دي ليلة بيضا والنبي بيضا… فيصر اسماعيل على انها دي ليلة سودة والنبي سودة ..فيتوقف عبدالمطلب عن الغناء ليضحك”جوه الفيلم”.

ويجيء بعده في ستينيات القرن الماضي محمد قنديل أحلى صوت رجالي سمعته بحياتي بعد وديع الصافي وهو يقول لماجدة تلك الممثلة الحلوة المايصة ذات المزاج الرايق..يقول لها وهي ماشية على شاطىء البحر يا حلو صبح يا حلو طل من اد إيه وأنا باستناك وعيني ع الباب والشباك عشان اقوللك واترجاك..يا ختاااي على رقة الراجل ده والبنت من فرط حلاوة صوته ورقته تكاد تقع وهي ماشية وهي أصلا مايصة مش مستحملة كلمتين حلوين…

وكله كوم وحين يغني لهند رستم “يا مهون هون هون” كوم آخر.. حيث ترى ( ابنتي لينة هي ولي لي توأمها ) أن هند رستم والراقصة اليهودية كيتي مخلوقات نادرة الجمال لدرجة أن أي فيلم لهند رستم أو كيتي واسماعيل ياسين ..كفيل بأن يلغي مواعيد النوم والمدرسة وقد يلغي الدراسة من أساسها..

ونصل لستينيات القرن الماضي حيث ظهر العملاق صاحب الحنجرة الفولاذية محمد رشدي وهو بيغني لكعب الغزال اللي من حنيته هيقوم زلزال..ويحكي لنا كيف التقى بحبيبته اللي اسمها عدوية وهي تناوله “كوباية مية”

حين يقول لها (اسقيني يا شابة وناوليني حبة مية اسم النبي حارسك اسمك ايه ردي عليا) وترد البنت (عدوية) فينادي (اه يا عدوي) وهي صيحة يطلقها الفتوات في الموالد الشعبية ليحصلوا بها على المدد قبل أن يقوموا بعمل خارق مثل ضرب المدفع أو ضرب أحد المعجبين بالراقصة التي في الغالب من بنات الغجر:)

وهذه الأغنية تقوم على قصة حقيقية (based on true story):عندما كان عبدالرحمن الأبنودي في بيت الملحن عبدالعظيم عبدالحق ودخلت الخادمة فتاة رائعة الجمال تحمل كوبا من الماء للضيف فسألها الأبنودي..اسمك ايه فردت الفتاة بأن اسمها عدوية وهنا قرر الأبنودي كتابة أغنية إكراما لخاطر هذا الجمال الرباني….

والحقيقة أن محمد رشدي صاحب ذوق عالي جدا في اختيار معاني أغانيه.. فهي تصف البنت المصرية باقتدار وهو يغني لها (وضفاير غارت م القصة رقصت على رن الخلاخيل وعيون يا صبايا ما تتوصى غية وبتطير زغاليل) بجد كيف وصل لهذه النوعية من الوصف الغارق في الرقة والعذوبة لبنت البلد المصرية بشعرها الأسود المضفر وقصتها الجميلة من تحت منديل الرأس الملون ونظرات عينيها السوداوين المسالمة الماكرة في إن واحد..فكأنها في رقة نظراتها غية حمام ترسل النظرات كزغاليل صغيرة (حمائم) تبشر بالحب والسلام.

وحين انتبهت لفترة السبعينيات وجدت أحمد عدوية قد ظهر بروائعه والتي جعلتني استقصى العديد من المعاني لافهم أغانيه..فمثلا.. أغنية فزدق يا مملح اسمر يا سماره والنبي لابيعك ولا انتاش خسارة..بالجوز أفرق لأ لأ.بالفرد افرق لأ لأ…لوغاريتمات. لم افهمها إلا حين عرفت أن بائع الفزدق في الأزمنة الغابرة حين كانت مصر جنة.. كان يتمشى على كورنيش الاسكندرية ويلاعب الجالسين على المقاهي ويسالهم ( جوز ولا فرد وهو يخفي عددا من خلال الفزدق في ييده ويتساءل إن كان عددهم فرديا أو زوجيا) فإذا كان الرد سليما أعطاهم فزدق وإن لم يكن دفعوا له أي شيء يجودون به..وهكذا فهمت مغزى الأغنية …وحين يشكو أحمد عدوية ازدحام الطريق ( من خمسين سنة) فيقول …زحمة ولا عادش رحمة….مولد وصاحبه غايب..الساعة إلا تلت ومعادي. معاه تمانية لا م السكة دي رحت ولا لاقي سكة تانية..كتير الناس كتير وانا عاوز اوصل واطير..ياربي..

وهنا تنتهي تلك الحقبة الجميلة ولا يظهر في الأفق بعدها مغني شعبي عليه الطلا فيشعر هذا الجزء المصري داخلي باحباط فيعيش على الماضي الجميلحتى ظهر اخيرا وفي ايامنا الحلوة تلك.. وبعد طول انتظار مصطفى بك شوقي الذي يغني أغنية جميلة خفيفة الظل ومعانيها غاية الظرف والجمال بصوته الحنون بأدائه المميز وهي أغنية جلاب المصايب… التي كرهت الفيديوكليب الخاص بها لأنه شوه معاني وجمال الأغنية..حيث يقول مخاطبا قلبه جلاب المصايب.. هتقوللي ايه هس يجيك اوا…دخلك منين سرسوب الهوا هتغيب يومين وتجيني جريح تقول لي وفر حق الدوا..هواك فضى الجيوب يا مهر وحبله سايب يا ملطشة القلوب يا جلاب المصايب…

بالذمة حد من زمااان سمع أغنية حلوة ودافية ودمها خفيف ومعانيها مبتكرة زي الأغنية دي؟؟؟

يتبع

دينا عاصم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s