ثامر الجهماني: أين صديقنا حسن؟

ثامر الجهماني: أين صديقنا حسن؟

زي بوست:

(العدالة المفتعلة أسوأ أشكال الظلم)

أفلاطون

حين يأتي الكلام المستساغ تتاح كل صنوف الاستحسان وتلمع الأسنان فرحاً وطيبة، وإن صار الكلام حاد المزاج صريح التقاطيع صار الجو كهربائي اللون، مشحوناً بالانكسار.

كانت القرية جميلة تحلم على ظهر التل الكبير، وتشرف على كل الوديان في المنطقة، تحيطها البساتين من الجهات الأربع كالغوطة الغنّاء. 

صورة شبقية تتلاصق من بعيد مع الضوء المسترسل بحنو كحزمة أرجوانية.

زاد من أهميتها موقعها الحدودي، وكذالك مسارب التهريب إليها، بسبب ذلك حظيت القرية برعاية كبيرة من الملوك المتعاقبين على الحكم، فكل ملك جديد يبادر لزيارتها، يقدم خدماته المكتوبة، يمتدح أهلها لكسب ودهم ويعدهم بالجديد.

أما الملك “طوغلي”الذي اعتلى العرش مؤخراً فقد خصص يوماً في كل عام لزيارة القرية، والسؤال عن أحوال العباد فيها، وسبر غور نفوسهم في موالاتهم له، يكاد هذا الحدث العظيم يقترب، فراح الأهلون (السعداء)

يهيئون المنصة، التي قضت على ميزانية البلدية عن بكرة أبيها، ويكنسون(الشوارع)بالرغم من أنه ليس هناك سوى شارع واحد وسط القرية توزعت على جنباته البيوت برتابة مملة.

كان حسن يحمل في جنباته اصفرار الكلمات والتردد في أن يقدم على ما كان قد خطط له..أم لا؟ ولم لا؟ فالكل يمدح الملك ويرفع عقيرته بإطرائه بالكلام المعسول المحمل بعبق الزنبق البري.

لكن حسن كان يشم رائحة الرعب من الأحجار والتراب ومن غسيل الشوارع عفواً الشارع في هذا اليوم بالذات دون أيام السنة الطويلة الرتيبة، ولا شيء يروي صحراءها اليابسة العطشى، لكنه قرر في النهاية وعيناه تبرقان… وهوة عميقة في نفسه.. تحيطها الهواجس بالخذلان والانكسار، قرر “جميل أن أكون أو لا أكون”.

تدافعت الأيام بشوق ٍ يشفع القلوب، ينخر منها العظام حتى قفل آخر يوم من الانتظار فكان اليوم الموعود، وراحت مواكب السيارات تدب من كل حدبٍ وصوب، جاء الملك بعرشه المحمول، وصولجانه اللمّاع، علت الهتافات وأهل القرية يتدافعون بأطفالهم ونسوتهم شيبهم وشبابهم.

سرت في أبدانهم عدوى الهرولة في جسدٍ محمول، والهتافات تدعو بحياة الملك.

تهللت الأسارير، وراحت تتلاحق الخطب والأشعار بكلماتٍ رنانة، فجأة وقف الملك، انحنت الرؤوس مطأطئة احتراماً.. خوفاً؟ لا أحد يعلم، لكن العيون الكسيرة رنت إلى عينيه الواسعتين وشفتيه المطبقتين إلا قليلاً تفترّ عن ابتسامةِ حبٍ وغبطة وحقد.

راح الملك يتحدث عن حبه لأهالي الوطن عامة، وأهالي القرية خاصة، وعن الإنجازات المحققة والخطط المستقبلية…. ماء… كهرباء…. مرافق عامة…. حدائق…. مشافي… برق وهاتف…. إلخ.

انبرى الجميع بالتصفيق “غيظاً” عفواً فرحاً، حتى أدمى أحدهم يديه وهو لا يشعر بكفيه من شدة الخدر. انتهى الخطاب فظهر (حسن) كالبدر في ليلة سناه، شامخاً كالطود. والأرض تئن تحت وقع قدميه… اعتصر الورقة التي أعدها سلفاً… اعترته قشعريرة وكادت الدموع تفر من عينيه وجلا ً وشفقة!! وصاح بأعلى صوته أن يصمت الجميع… فتقدم نحوه أحد الرجال الأشداء بتؤدة وحذر… حتى تناهت الكلمة إلى أذني الملك فأمره أن يتكلم دون خوف أو وجل.

فقال حسن: يا جلالة الملك المعظم إننا لنشعر بالغبن!! فالماء وعدنا به منذ سنوات، والكهرباء صارت حلماً، ومرضانا يموتون من عناء السفر قبل الوصول لأقرب مستوصف، وأنت تقول أن كل ذلك سيتحقق فمتى ذلك يا جلالة الملك؟

يا سيدي ابنتي ماتت بالكوليرا، وابن أخي مات بالزائدة الدودية، إنها والله لمهزلة.

نرجو أن يكون كلامكم يا سيدي للمسؤولين ومحط أنظارهم وقابلاً للتنفيذ، ولكم الشكر فهذه هي الديمقراطية يا جلالة الملك.

علا صوت التصفيق سماء المكان، النظرات صارت مخرزية، هدير الواقع اختلط بتغريد الأحلام. حتى أن الملك الديمقراطي وقف مبتسماً وهو يلوح بيديه حتى ليوحي لمن رآه أنه حظي بحصاد الموقف لنفسه، وصاح فرحاً لشجاعة حسن، وعقّب على كلامه بأن أعطى أوامره وبالحال سيتم تنفيذ ما أوحى إليه.

بأقصى سرعة غادر الملك القرية، التي أغلقت عيونها بانكسار، لثم عنقها وخنق عبراتها في هزيع الليل، لولا بصيص الأمل.. لعل.. وليت.. وسوف.

عادت (الشوارع) عفوا الشارع الوحيد وسخاً كعادته، فلم يعد هناك من داعٍ للنظافة فالملك غادر القرية، ولم تزل الزائدة الدودية هناك تستطيل.

تعاقبت الأيام والشهور الرتيبة بلا أحداث عظام، بل بقلق يومي يتصاعد بتقلباته النزقة، لا يعكر صفو الرتابة إلا رجل أو طفل نالت منه يد المنون، حتى فوجئ الناس بالموعد السنوي قد أزفَ يقترب بسرعة وصار على الأبواب كعتم الليل بل كذئب الليل، ولدى حاطب الليل تستوي الأشياء جميعاً، واللحظات تنصرم بجو مشحون بالتربص.

تكاتفت الأيدي والجهود في نظافة الشارع الوحيد وتشييد المنصة التي جاءت على ميزانية البلدية وامتدت إلى جيوب القرويين، الذين كانوا مكرهين ومجبرين على تزيين الشارع على جانبيه كل أمام بيته، رتابة اليوم المعهود كنت أكثر صرامة بتفاصيلها الدقيقة المملة، فالخطب والقصائد كلها تمدح بإسهاب.

أما رائحة الخوف هذه المرة كانت أكبر وأشد، أكثر أرجوانية، فهي قد انتشرت في المكان كروائح اللوز المر.

جاءت خطبة الملك مقتضبة، واكبت نضوجه كملك معاصر فيها موجة من التحولات السائدة، لكنه لم ينس الإطراء بشجاعة السكان وحبهم وولائهم له، وحبه لهم، وزين خطبه بالوعود والعهود والإشادة بالمنجزات.

وهنا نهض رجلٌ في الاربعين ونيف من السنوات، هاتفاً بحياة الملك، الذي زال عنه غيظه لسماع المديح فسمح له بالكلام.

فقال بشجاعة مؤكداً ما قاله الملك عن شجاعتهم:

– حيث أننا شجعان، فنحن استطعنا بفضلكم أن نهزم الزائدة الدودية دون مشفى!! فجبان ابن جبان من يمت بالزائدة أو الناقصة، أما أن يموت المرء بالكوليرا فهو قضاء الله وقدرٌ لا مفر منه… لا شيء يقف في وجه القدر الهائج… وفي كل بيت يقبع بئر ينز بما نحتاج من الماء، ولا حاجة لنا بالكهرباء فقد ألفنا الفوانيس وجلسات السمر خلف الكانون.

واصل كلامه منفعلاً بعد أن زال عنه غيظه:

نحن يا جلالة الملك نرفع لك أسمى آيات الحب والولاء، وندعو الله أن يديمك فوق رؤوسنا…. إننا يا سيدي اكتفينا من خدماتكم الجليلة، وليس لنا حاجة للمشافي ولا محطات للقطار، لا هاتف نرجو لا ماء لا كهرباء.

نحن يا سيدي المعظم فقط نسألك أين صديقنا حسن؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s