جهاد الدين رمضان: زلزال الكذب*

جهاد الدين رمضان: زلزال الكذب* 

زي بوست:

 

وَصَلتْ المظاهرة إلى نهايتها في ساحة المدينة المركزية الشهيرة، هتف المتظاهرون في الختام بصوت واحد مرتفع: 

يحيا خالي يحيى 

و يحيى خالي يحيا 

خالي يحيى، يحيا و يعيش! 

رأيت نفسي بين الجموع الغاضبة أردد معهم بأعلى صوت: 

يحيا خالي يحيى و يعي.. 

لم أكمل آخر كلمة عندما أيقظتني زوجتي بعنف، أمسكتْ يدي و شدتني نحوها بكل قوتها، و هي تقول: 

– جهاد انهض، لا تصرخ، إنه مجرد كابوس.

نهضتُ من فراشي مذهولاً مما رأيت في المنام، فركتُ عيناي و حدقتُ في أرجاء الغرفة / البيت، لم يكن عندنا تلفزيون ولا مذياع، و لا عندي خال بهذا الاسم، و لم أخرج في مسيرات الكذب و لا شاركت في مظاهرات الغضب، فمن أين تعلمت هذا الهتاف لأردده مع المتظاهرين بكل هذا الحماس؟. 

قالت لي زوجتي و هي تناولي قدح الماء:

– ما هذا الكابوس العجيب، كيف أوحى لك باسم خالي المرحوم “يحيى” الذي لا تعرفه قطّ؟ حتى أنا بالكاد أتذكره فكيف تذكره أنت! 

شربت جرعة قليلة من الماء، و أجبتها: – حقاً لا أعرف يا “رجاء”، كنت في مظاهرة أهتف بهذا الهتاف النابع من قلبي، الذي خرج من حنجرتي بقوة وصدق، كنت غاضباً بحق و كأنهم قتلوا خالي “يحيى” المزعوم كما قُتلَ خالكِ المرحوم .

تنهدت زوجتي رجاء و هي تترحم على روح خالها الشهيد، أخذتْ من يدي كأس الماء و وضعتها على الطاولة، وأكملت سلسلة الاستجواب: 

– ماذا؟ أنت تخرج برغبتك إلى الشارع مع الجماهير؟ لو أحيوا لك خالك يحيى المقتول لن تتظاهر مع الجمهور، لم تستطع أي قوة أو إغراء أو خوف أن يجعلك تنزل درجة واحدة من البيت؟ هل تذكر كيف رفضتَ النزول من بيتنا في “حي الشيخ مقصود” يوم أيقظتنا جارتنا “أم محمد” فجر يوم إشاعة الزلزال الكاذب؟

تذكرت فوراً ذلك اليوم، يوم استفاقت سوريا على إشاعة زلزال الكذب في صيف عام ١٩٩٩ قبل موت المستبد الكبير، ضحكتُ في سري من “أمة ضحكتْ من جهلها الأمم”، نظرت في وجه زوجتي الناعم، و قلت لها مبتسماً: 

– أي نعم أذكره بتفاصيله كأنه وقع في الأمس، لكن ما دخله في حلمي اليوم؟
– يومها بالكاد خرجتَ إلى شرفة بيتنا الصغيرة، و ذُهِلتَ من أعداد البشر في الشوارع على مدّ النظر، لم تصدّق خروجهم من بيوتهم بسبب إشاعة وقوع “زلزال” كاذب بحت، و رغم كل الهلع و الذعر الذي أصاب السكان فخرجوا إلى الشوارع كالقطعان، لم تنزلْ أنت و أرغمتنا على البقاء في البيت رغم احتمال وقوع الخطر. 

– نعم حصل هذا بالفعل، لم أصدق الإشاعة رغم خوفي عليكم أنتِ و الأولاد، و لم أصغِ لطلبك بأن نغادر البيت و نخرج إلى الشارع مثل باقي الجيران.
قاطعتني زوجتي و صارحتني بالقول : 

– هل تعلم كم كنت عاتبة عليك وغاضبة منك؟ تخيلتكَ مستهيناً بحياتنا في ذلك اليوم، ظننتك تعرض حياتنا للخطر و لم يخطر في بالي أن يكون الزلزال كذباً في كذب! 

– لا يخطر على بالك أن أعرّض حياة عائلتي للخطر، هذا مستحيل، حتى أنا نفسي داخلني الشك و داهمني الخوف، لكن صوت اليقين كان يصرخ في أعماق قلبي: (لا تهلع ولا تستكين)، ربما كان هو صوت الإيمان، لكنه بالتأكيد صوت العلم، منذ متى توصل الإنسان لمعرفة وقت حدوث الزلازل و البراكين بالساعة و اليوم؟
– كلامك صحيح، الحمد لله مرت الحادثة بسلام و لم نُضَم.. لكن قل لي ماذا كنت تصرخ في المنام؟ لم أفهم من كلامك سوى اسم “يحيى” كأنك تناديه كما تناديني عندما يجثم على صدرك الكابوس. 

– كنتُ أصرخ: (يحيا خالي يحيى) و لا أعرف لماذا قتلوه؟
– هذا و الله كابوس، و خالك “يحيى” هو حلمك الذي قتلوه، لطالما كنتَ تأمل و تحلم بخروج الناس إلى الشوارع و الساحات للاحتجاج على ثوب الذل، لا بسبب الهلع من إشاعة سخيفة تتعارض مع العقل. 

حركتُ رأسي موافقاً كلام المدام، قلت لها معترفاً بصدق : 

– صحيح هذه أول مرة أخرج فيها بمظاهرة احتجاج و شجب حتى لو في الحلم، لكن ما أكثر ما حلمت في يقظتي بخروجي مع الجموع لنصرخ “لا” في وجه القمع و الظلم، بقيتُ أحلم حتى جاء ربيع العرب مع ربيع عام ٢٠١١ و فرحت، فرحتُ برؤية جموع الغضب في الطرق و الساحات تهتف بلا خوف : 

الشعب يريد.. 

سوريا بدها حرية.. 

يا الله ارحل يا جزار.. 

– ما هذا الكذب الأبيض الجميل يا عزيزي، أراك حزيناً يا قلبي و لست فرِحاً كما ادعيت، أين ذهبَ ذياك البريق السعيد من عينيك؟

تعلثمتُ و لم أجد الجواب، وقفتُ أسأل نفسي مع زوجتي : 

– أين سقط فرحي بسقوط جدار الخوف تحت وقعِ زلزال الثأر للحرية والكرامة، لا من أجل الجوع لرغيف الخبز بل من أجل استرداد عزة النفس؟ 

من قتل خالي “يحيى” الرمز، الذي قال لا للمستبد، كفاك كذب؟ 

من قتل خالي “يحيى” و خال زوجتي وخالكم أنتم، و دمّر البلد بزلزال طويل من الكذب، قتلنا و شردنا و قصف بيوتنا ليعيش هو وحده على كرسي الحكم؟. 

……………………………………………………………………………. 

جهاد الدين رمضان 

في فيينا ١٦ تشرين الثاني / نوفمبر ٢٠١٩ 

*النص من مذكراتي و أحلامي

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s