عبد القادر حمود: ورأى فيما يراه

عبد القادر حمود: ورأى فيما يراه

زي بوست:

لأمر ما قرَّرَ الأستاذ عبد الله أن يتحدّى كلَّ ما يحيط به، وينطلق لغاية أخرى في نفسه، ولقد كلَّفته غايتُهُ الأولى قدراً كبيراً من حرّيته فماذا عسى أن تفعل به غايته الأخرى…

ثمَّة شوقٌ كبيرٌ لتلاميذه الَّذين غادرهم مكرهاً منذ ما يربو على ثمان عجاف أو أكثر، وثمَّة شوقٌ لزملائه المعلمين وزميلاته المعلمات، لجدران المدرسة وسبوراتها والنوافذ الكثيرة، ولا بأس فلعلّ النوافذ باتت أكثر حضوراً عنده بعد أن أُغلقت أمامه نوافذ الحياة واحدة تلو الأخرى، فَلَم يبق منها إلا تلك النافذة التي يحاول أن يطلَّ من خلالها على نوافذ مدرسته الأثيرة..

كانت أوراق عديدة أمامه على الطاولة، بالطبع ليست أيّ منها ورقة امتحان لتلميذ أو تلميذة، ولكنَّها أوراق وهمية على طاولة وهمية أيضاً، أوراق أوهامه وتساؤلاته وخيالاته العديدة، وكلّها تدور في فلك تلك النافذة التي يحاول أن يطلَّ من خلالها على ما تيسّر من نوافذ…

هل سيكون رجال الأمن بانتظاره في إحدى محطات الطريق الطويلة جداً؟، أم أنهم سيكونون أمام باب المدرسة؟، وعلى كلّ حال إن لم يقطعوا عليه الطريق، أو لم يغلقوا باب المدرسة أمام خطواته الحذرة فسيكون هذا الأمر بحدِّ ذاته جيداً ولا يهمّ كثيراً أيُّ أمر يحدث بعد ذلك، فهم سيحضرون بلا شكّ، ولكن من الأفضل أن يكون حضورهم بعد أن يُتِمَّ ما عزم عليه، ويحظى بالوقوف ولو للحظات أمام تلاميذه في تلك المدرسة التي سمّاها مدرسته الأثيرة..

أَسْقَطَ الورقةَ الأولى من حساباته على أهميتها، وتابع تقليب أوراقٍ أقلّ أهمية من تلك الورقة ولكنّها أوراق مهمّة بكلّ تأكيد، ولعلّ أغلبها أوراق إجرائية تتعلق بـ(تكتيكات) العودة إلى ذلك المكان وأنسب الطرق المؤدية إليه، والاحتياطات اللازمة لذلك، وكذلك لا بدَّ من تقليب أوراق تخصّ ما بعد الوصول إلى المدينة والحيِّ المطلوب، وثمَّة ورقة تعتني بالوجوه الأكثر حضوراً لديه من التلاميذ أو الزملاء أو الأصدقاء من أبناء الحيِّ الذين تعرَّف إليهم خلال سنوات طويلة من العمل في تلك المدرسة، ولا بد من ورقة أخرى تعتني بمن سيساعده في تلك المهمة ومن يمكن الاعتماد عليه بشكلٍ آمن، ولا بدّ من حساب وقت يمكن أن نسميه وقتاً مستقطعاً أو أنه وقت خارج الزمن وذلك لالتقاط الأنفاس وتنظيمها واستعادة ما يمكن أن يتبدد من إرادته وجرأته وما يلزم من أمور لمتابعة المهمة، ولا بأس من بحث مسألة الزمان أو التوقيت الأكثر مناسبة من حيث الانطلاق والوصول وموعد اللقاء المفترض مع بناء المدرسة أولاً، ومن سيكون هناك ثانياً، وما يمكن أن يقوله حين تصافح وجهه أنفاس تلاميذٍ لم تغبْ صورهم وأسماءهم وذكرياتهم عن باله وأفكاره على مدى سنوات الغياب التي صار بإمكانه أن يسميها (الطويلة)…

لقد أغمض عينيه، وأوغل في رؤياه أكثر، كان يحاول أن يملأ رئتيه بالهواء إلى أقصى حدٍّ ممكن إلا أن الأفق المغبر والدخان المنتشر حوله حالا دون ذلك، فقد شعر كما لو أنَّ يداً غليظة تحيط بعنقه وتضغط أكثر فأكثر حتى راوده شعور حقيقي بالاختناق، فشهق، ثمّ شهق ثانية وانفلتت مفردات الرؤيا تحت وطأة الدخان والغبار، وحاول أن يعود ثانية لتلك الحالة إلا أن عينيه لم تطاوعاه بالعودة إلى حالة الإغماض بعد أن تسلَّل إليهما مزيد من القلق والحزن الممزوج بكثير من الغبار والشوارد اللاذعة..

كان يودّ لو أنه يستطيع النوم بضع ساعات علّ الغيبوبة تلك ترمم ما تآكل من جسده وأمانيه إلا أن النوم كان أصعب نوالاً مما توقّع أو مما يجب أن يكون في العادة… 

لقد تغلبت الهواجس على كل ما حولها من مفردات ومازال خياله يقلب الأوراق واحدة تلو الأخرى، ومازالت الصور تتالى أمام عينيه نصف المغمضتين واللتين تغلبتا لتوّها على بقايا الغبار والقلق..

لقد ابتسمت له (راما) بطريقتها المعهودة رغم أنه رأى بقية دمع في عينيها المحمرَّتين ولوناً شفقيّاً على خديها الشقراوين، وبعد تردُّدٍ عابرٍ انطلقت نحوه كَسَهْمٍ أفلتَ من وتر مشدودٍ وطارت في الهواء قبل أن يستقبلها بكلتا يديه وبدموعه الكثيرة ويضمهما إلى صدره إلى ما لانهاية، وظلت (دعاء) على بعد خطوات منه وفي عينيها ذات السؤال الذي كان، وعلى شفتيها دعوة وكلمات يعلم تماماً أنها لن تقولها، وفي مسافة أقرب قليلاً كان (إبراهيم) يوزع نظراته الحائرة على من حوله قبل أن يفلت يد شقيقته (غفران) التي كانت لا تفعل شيئاً غير البكاء بدموع صافية كالبلّور، ولقد شعر بيد هادئة تمسك إحدى يديه وتحاول أن تلفها حول عنقها، ومازالت تفعل ذلك غير آبهة بما حولها، ولعلها لم تأبه بردة فعله أو أيّ أمر آخر، حاول أن ينظر في عينيها إلا أن ضفائر شعرها المنسدلة غطت أغلب مساحات وجهها وحجبت العينين تماماً، حرّر يده قليلاً من يد الطفلة ومسح بحنان على شعرها، وحين رفعت رأسها نحوه التقت عيناه بعينيها فلم يملك إلا أن ينحني ويقبلها مبعداً بيده الأخرى بقية ضفائر شعر مازالت تمارس شغبها والعبث، قالت له ألا تذكرني أنا (هيا)، أما زلت (تحبني)، وشرقت التلميذة بالدمع وشرق الأستاذ بالذكريات.. 

ازدحمت الوجوه الصغيرة، وأصبحت الوجوه الكبيرة أكثر حضوراً هي الأخرى، ومن باب المدرسة الرئيسي تراءى (أشرف) وهو يهرول قليلاً، ويلتفت نحو (لؤي) الذي مازال أنيقاً في مشيته برغم ما بدا على وجهه من أسئلة تداخلت معانيها، وازداد ضغط المفردات على ذاكرة عبد الله، ولقد أزعجه أن بعض الوجوه أتعبته باستحضار أسماء أصحابها، وأن وجوهاً مازالت حيّة بكامل مفرداتها في ذاته إلا أنها لم تكن بين الحضور..

حاول أن يسأل أحداً ما (أين هيفاء) بنزقها وتوترها الدائمين؟، (أين هبة) بدهائها الطفولي وشقاوتها؟، و(أين محمد) بكل ما يحمله من إنسانية وتعب في عينيه؟، و(أين رهام) التي لا تتعب من التأمل والتساؤلات، إلا أن كلّ الأسئلة انطفأت فالهواجس خرجت به عن المسار وأشعرته أن تلك الحالة التي هو فيها لا تعدو كونها صفحة مؤلمة من صفحات العبث، فالطفلة أصبحت شابة، وكذلك الطفل، والمفردات التي كانت أصبحت تحمل مدلولاً آخر، وعفوية تلك التلميذة لم تعد ملكاً لها الآن وهذا أمر طبيعي، وقد لا تجد إلا بعض الوجوه الكبيرة مازالت تحافظ على شيء مما كان، وعضَّ على الهاجس بكل ما تمكن من استحضاره من إرادة، لكن الهاجس بدأ يضمحل ويتلاشى، فمدَّ عبد الله يده إلى عينيه بلا مبالاة ودعكهما بشدة غير معهودة… 

حاول أن ينام ولو ساعة، نصف ساعة، أيّ وقت يذهب به بعيداً عن هواجسه التي بدأت تأخذ شكلاً مرعباً يمضي به إلى مساحات غير آمنة، وضغط رأسه فوق الوسادة، لكنه لم ينم، لقد ذهبت أكثر الوجوه إلى جهاتها، ولكن الأسئلة والتداعيات لم تذهب..

وظلّ وجه (راما) حاضراً، وكان حضوره يزداد لحظة بعد لحظة، لا كلام متبادل، لا شيء إلا بقية ابتسامة مازالت على شفتيها، ورغبة بأمر ما تشعّ من عينين محمرّتين من أثر بكاءٍ أو أمرٍ آخر حدث قبل لحظات..

لقد حرّك شفتيه محاولاً أن يكلمها، لا فرق أيّ كلام كان، ربما حدّثها عن ذكرى كانت، وما أكثر الذكريات التي تجمعه بها أو تجمعها به، لكنه لم يبدأ أي مشروع كلام، كان ما يزال مكانه قرب السبورة أو خلف الطاولة، وهي في مكان قريب من باب الغرفة، لا أحد سواهما هناك..

وفشلت كلّ محاولات المضيّ في الهاجس حين خطر له أن تلك الفتاة الشقراء لم تعد طفلة الآن، لم تعد (راما) تلميذته المفضلة والأقرب إليه دائماً، وجرَّب نفسه بالحساب الذي تناساه منذ زمن غير قليل، كان عمرها إحدى عشرة سنة، وإذا ما أضفنا سنوات الغياب أو الضياع إلى عمر الفتاة ربما أصبح المجموع الآن تسع عشرة أو عشرين سنة، توقف عبد الله عن عملية الحساب قليلاً عندما صعقه صوت قادم من المجهول..

أتراها أصبحت شابة؟، هل تابعت دراستها.، هل تزوجت؟، حاول أن يتخيلها زوجةً وأماً لطفل جميل تحمله بين زراعيها أو تقوده بإحدى يديها وهو يحاول أن يتعلّم خطواته الأولى..

وصعقه الصوت القادم من المجهول أكثر.. 

صعقه حتى الارتعاش، أتراها مازالت حيّة، أم أنها (…..)؟

وانتفضت كل مفردات جسده مرة واحدة، وضغط رأسه أكثر على الوسادة، ضغطه بشدة، إلا أن النوم أصبح ضرباً من المستحيل..  

ووصل عبد الله آخر الأمر إلى المكان المقصود، وصل ولا أحد يعرف كيف وصل، ولعله هو الآخر لا يعرف كيف حدث ذلك..

 قال أحدهم: (لقد استخدم بطاقة شخصية مزورة، أو أنها عائدة لشخص آخر يشبهه)، وقال بعضهم: (بل أتى بشكل طبيعي ولم يتعرض لأية مشاكل أثناء الطريق)، وقال بعض من يظنُّ نفسه بأنه مثقف من طراز رفيع: (إن الأمر حدث فيما يشبه رحلة عبر الزمن)، وثمة من قال: (إن عبد الله لم يأتِ لأنه لم يذهب قطّ)، وفسّر كلامه بقوله (إن الرجل لم يغادر المدينة بل الحيّ ذاته إنما كان يتخفى بذكاء ولا يلفت إليه انتباه أحد من رجال الأمن أو الشرطة أو المخبرين وما شابه ذلك)، وتضاربت الأقوال إلا أن حقيقة واحدة كانت جديرة بالوقوف عندها وهي أن عبد الله ظهر في الحي أمام مدرسته الأثيرة وتنقل ما شاء أن يتنقل في محيط المدرسة والشوارع المجاورة…

هزّ عبد الله رأسه، وتكلَّم كعائدٍ من غيبوبة طويلة، (بالفعل لقد ذهبت ولم أذهب)، ونظر بعض الحاضرين مستفسراً إلا أنه عاد إلى صمته وتأملاته، وكانت ثمة دموع تكاد تتجاوز  الجفون الكليلة..         

لا أحد هناك، لا تلاميذ ولا زملاء، في الحقيقة لم تكن هناك مدرسة بالفعل، فالطابق الثالث مهدم تماماً وكذلك كانت أجزاء كثيرة من الطابق الثاني، أما الطابق الأول أو الأرضي كما يسمونه فقد صار مقلبَ قمامة ومجمع نفايات وركام لا أكثر، ولم يكن حاضراً هناك بشكل فعلي إلا الألم وروائح الموت والرطوبة والغبار ومظاهر الدمار الكثيرة الكثيرة..

ولقد شعر بأنه غريب جداً عن المكان، لكن إصراراً ما ظلَّ يدفعه إلى هدف لا جدوى منه، فتسلّل عبر البقايا والركام، كان غير مهتمٍّ بوقع خطواته، أو بالمكان الذي ستستقرّ فيه قدمه بعد كل خطوة، ولقد اعترضته بقايا مقعد وبعض القطع الإسمنتية مختلفة الحجوم وهاجمته ذكرى لحظة كانت مما أشعره بكثير من الاختناق، ولكن لا بدّ من الاستمرار، ففي آخر الممرّ الأيسر للطابق الثاني تقبع آخر غرفة صفٍّ شهدته واقفاً أمام تلاميذ مازالت روائح صخبهم وأمانيهم الكثيرة تحوم حول خطواته وتشاركه تفاصيل الحضور والغياب..

لقد اضطرَّ لإزاحة خزانة حديدية نالها نصيب من الألم والتشرّد وتوقفت أحلامها أمام الباب المستهدف تماماً، كانت الغرفة فاغرة فاها بعد أن أزيلَ البابُ الخشبيُّ نهائياً ولم تبقَ أية علامة تدلّ على أنه كان هنا، وأغمض عبد الله عينيه وقتاً لا أحد يستطيع أن يتكهن أكان طويلاً أم قصيراً، لكن طيف (راما) حضر، فقبيل الأيام الأخيرة لوجوده في تلك المدرسة، وفي هذه الغرفة بالتحديد، وقفت تلك الفتاة في مكان خلف الباب تماماً، كان على شفتيها كلام وفي نظرتها سؤال، ولأمر لا بدّ أن له سبباً معقولاً التقط للفتاة صورة مازالت في ألبومه الخاص، لقد توقف الزمان في صورة ما كان يدري أنها ستحتفظ بأشياء هو بحاجتها، ربما في لحظته هذه بالذات أو في كل لحظة تالية…

خطا نصف خطوة قبل أن يتوقف فيلقي تحية ما، لعله قال صباح الخير أو مساء الأخير، أو أنه تلفّظ بأية تحية أخرى، وأجابت أصوات متداخلة، ولم يجب أحد…

نظر نحو السبورة، لقد اخترقتها أكثر من رصاصة، كانت الآثار المؤلمة واضحة، وكان جرح مازال ينزف بفتور قاتل من جهة القلب، لعلها شظية غارت في تلك الناحية أو أن أمراً آخر حدث، فالجرح أكبر وأعمق مما تفعله رصاصة… 

حاول أن يطلب من تلميذ أو تلميذة مسح السبورة، ولكنّ بقعة دم جفّت وتحولت إلى اللون الأسود تقريباً منعته من كل فعل وهوتْ على بقيَّته كصاعقة، كان يتلفظ بأسماء تلاميذه ذكوراً وإناثاً (آية، نور، محمد، ميس، بانة، خالد، مصطفى، سعاد…) وتتوالى الأسماء خلال ابتهالاته ورجائه أن لا تكون تلك البقعة لأي منهم، وصرخ، إلا أن صوته ضاع في الركام والغبار…

صرخ مرة أخرى، وضاع الصوت ثانية وثالثة وعاشرة، وعاد وتذكر أن سنين ليست قليلة وأطنان من القنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة والقذائف الكيمياوية وغير الكيمياوية، وعشرات وربما مئات من المؤتمرات والبيانات والخطب واجتماعات مجلس الأمن وتنديدات المجتمع الدولي، وأشياء وأشياء تفصل صوته عن مسامع من كانوا أطفالاً وكان من الممكن أن تتحقق أحلامهم وأمانيهم، إلا أن الأمور لم تسرْ كما يجب، ولعل الأكثر إيلاماً في الأمر أن بعض أولئك الأطفال توقف مرغماً عند نقطة محدّدة ما فلم يكبر…

شعر بدوار شديد..

ثمة قلم رصاص غير مبري بشكل جيد توارى أغلب جسده فيما تراكم من تراب وبقايا حجارة وأصوات مكتومة وآمال متهدمة… 

راود عبد الله شعور بضرورة إنقاذ ذلك القلم إلا أن يده كانت أقصر من الوصول إلى مساحة صمته المقدس فآثر أن يكفّ عن المحاولة ويترك القلم راقداً بسلام وطمأنينة…

انتصف الليل، لا ضوء في المكان، حاول أن يستطلع ما حوله، لكن لا ضوء، أرسل نظرته إلى الشوارع المجاورة، لكن لا ضوء، تجوّل في الحي، لكن لا ضوء…

أغمض عينيه، أغمضهما بكل ما أوتي من إرادة، رأى…

رأى..

ثمَّ رأى….

ورأى كل شيء…

أيلول 2018م

2 comments

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s