د. محمد لطفي: عن مجموعة سارين لمحمد إقبال بلّو

د. محمد لطفي: عن مجموعة سارين لمحمد إقبال بلّو

زي بوست:

في استحضاري للذكرى السنوية لمجزرة الكيماوي بحق مدنيي الغوطة وجدتني ألتجئ مرغماً لقراءة ديوان (سارين) الذيأهدانيه كاتبه الشاعر الواعد الصديق محمد إقبال بلو إبان زيارتي له ثاني أيام عيد الأضحى الماضي.

ويالها من رحلة لجوء افتراضي، تلك التي عشتها وأنا أبحر بين دفتي هذا الديوان صغير الحجم كبير الأثر غني المغزى.

أدهشتني لغة الشاعر الرشيقة، وأسرتني معانيه حمالة الأوجه وصوره التي يرتقي بعضها لمرتبة الابتكار. شغفت بالموسيقا،وباللحن غير الملحن، وبالكلام المنثور أحياناً، بلا أي تكلف، ولكن بكثير من الصوفية والشاعرية.

لم أفاجأ بجرعة الثورية والكرامة التي لفحت النصوص من كل جوانبها، فشاعرنا كان ولا يزال من رواد الكلمة الثائرة والفكرالحر.

أسمح لنفسي بالبوح عن قراءتي لهذا الديوان الجميل، رغم كوني غير اختصاصي، ولكن محبتي للشعر، وللشاعر نفسهدفعاني لما سأكتب، فأرجو أن لا يؤاخذني أهل الاختصاص على تطاولي هذا، وأرجو أن لا أبخسك يا محمد بعض حقك.

سارين، وهو عنوان القصيدة الأولى أيضاً، يصدم القارئ للوهلة الأولى بتقديمه لمفاضلة بين أنواع القتل المباح على يد منامتهنوه، من تم وأد الثورة وإعلان الحرب شعاراً للمرحلة على يدهم:

“غاز الكلور
أخف وطأةً من السارين
رصاصة واحدة
تبدو رحيمةً أكثر من مفخخة”

وتستمر المفاضلة هنا:

“السارين يأخذك إلى عالم مدهش
بينما غاز الكلور عادة” ما يبقيك مختنقاً لآلاف السنين”.

ولا كبير عجب هنا، والتبرير يأتي على لسان الشاعر:

“هذه سنة الحرب
وفروض صلوات الحنين”

والشعر، بعلم شاعرنا، لا يستطيع وقف الحرب، ولا يعيد المشردين للديار:

“نلقي قصائدنا كما نلقي القمامة
فالشعر قد صدئت حروفه
لم يعد يمضي حسامه
ما الشعر إن لم يهزز الدنيا
وينتزع الكرامة
عار علينا الابتسام
فكيف نصنع ابتسامة”

ولكن محمد إقبال يحتاج للشعر مثله مثل كل الموجوعين:

“الشعر والموسيقا لا يصنعان وطنا”
الشعر والموسيقا يمسحان شعرك
حين تشعر باليتم”.

ولأجل ذلك أباح الشاعر لنفسه، وهو الذي يمتلك ناصية العروض والقوافي، أن يتمرد عليها لأبعد الحدود، فيبيح لنفسه أنيستشعر حتى من خلال فوض الحروف إن كانت ستصدح بالحرية وتفضح الامتهان:

“عندما سقطت كل القيم العتيقة
كأوراق خريف أصفر لا يعرف اللون
كان لابد من التمرد”.
.
.

“كان لابد من حرف جديد
دون نقاط وحركات”.

وهكذا، ينطلق الشاعر ليؤرخ للقارئ مسيرة حياته الأولى التي تشابه حياة الكثيرين ممن اكتووا بنار الفوضى والقتل والإجرام.

فنراه في قصيدة (عندما كنا) يصف بلدته التي عاش بساطة الحب والعطاء فيها فبنى في حواريها تجاويف التسامح والحنوفي حنايا قلبه:

“أمهات الحي يحملن العصافير
التي كانت
بحمل الحب تتعب
والصبايا كن يحلبن القوافي
يتسلى ثدي نجمة
قرب كوكب
كان للحب مزاج
زنجبيل
كان مازال الطريق
تركض الشمس
ويهواها المذنب”.

ويكبر محمد إقبال:

“كبرت
وتكبر المأساة في قلب
ملوثة جوانبه
كلوحة حقل ضيعتنا”.

ويأخذه الحنين للراحلة أمه:

“ألا تدرون من أمي
هي النور الذي مازال يغمرني
لقد رحلت وأحرقني فراق النجمة السمراء”.

ويحن أيضاً لطيش الشباب النزيه:

“أحن إلى ابتسامات العذارى
حين ترمقني حواجبهن بالهزات والغمزات
وأحملهن في جيبي وريقات
أخبئها لئلا تنتبه
أمي”.

وحين يكبر المرء، ترتسم ملامح شخصيته، وتتوضح مبادؤه، وتبدو عقيدته جلية:

“ففي عقيدتي
كل الجباه عالية
كل الدماء غالية
ففي عقيدتي محبة لا تنتهي
مهما تسيء الساقية”.

يصر الشاعر على إبداء رجولته التي بدأت تصارع ثقافة المخصيين:

“قد قلت ما شاء المقال
وقصائدي ليست طوال
ورميت عن رأسي العقال
ووضعت شعراً مستعاراً
كالغواني … صرت أغنج في دلال
أين المروء في زمان
فيه قد حاض الرجال”.

وينتقد الشاعر ابن الريف شيوع التفاهة والترهات في مجالس الرجال:

“تحدثنا بلا صوت
تهامسنا
توشوشنا
لعنا كل حاضرنا وماضينا
وبالدمعات أجهشنا
وأخفينا ملامح مجهنا الزرقاء
كأي دجاجة خرقاء
بقبقنا
وما بضنا”.

يقرر أن يسبح عكس التيار, وأن يبقى على الفطرة:

“ابحث في قلبك عن ثغرة
للحب .. وأمطرها قطرة
من ماء الورد ولا تبخل
لا يأتي الحب سوى مرة
كن أنت كما ولد الماء الرقراق من الصخر … على الفطرة”.

تبدأ المعاناة مع تسلط الظلاميين والملثمين على رقاب الأحرار، فيراها الشاعر دينا جديداً يفترى به على العباد:

“ودين جديد أتانا على حين موت
وأربابنا في كل حي يقيمون بيت
فحج إليه .. ركوع سجود بين يديه
ليرضى الإله القديم الجديد … وإلا!
حديد حديد
حرام حلال”.

ويستنكر لا مسئولية من تأمر على الرقاب، فيتهم أمراءهم بالعمالة، وصغراءهم بالغباء:

“وهل من يحس بأم العيال
إذا ما تلاشت بصمت بصمت
بلا كرنفال
ودون احتفال
ببصقة أم الشهيد عليكم
ستبدو الحقيقة بعد الخيال
تفوح المخابرات منكم
فأنتم خطايا
وحرقة قلب البلاد
وقود القتال”.

يضيق عليه سواد ما جاؤوا به كثيراً، فيكفر لأجله بكل شيء أسود:

“في العالم العربي قهوتنا
سوداء كالظلمة
ومرارها أقسى من لسعة الحمى
سادية النكهات قهوتنا
بالرمل نغليها
سوداء كالنفط
أيامنا سوداء
وملابس النسوان في أحيائنا سوداء
وقلوبنا سوداء
راياتنا سوداء”.

يسقط في يده، فيتمنى أن يعم النور من جديد، أو فلنكن إذاً ذكراً منسيا:

“أما آن اتشاح البرتقال بلونه الأصلي مثل الشمس ياليتنا متنا هنا بالأمس”.

يعلن الحرب على من امتشق الدين مطية لعقيدة القتال.. فيعلن رفضه القاطع للقتل:

“والتين والزيتون
في القرآن
لا شيء يشبهها
والصبح حين تنفس الصعداء
ومواقع النجمات
الله في الكلمات
الله ليس بنصلة السيف”.

يرفض مصادرة الثورة، وفيقرر السباحة في يم الحرية للنهاية، غير آبه بفداحة العاقبة:

“متعفن تمر الملوك ولا يجاري بالمذاق الأقحوان”.
“لا شيء أقسى من مسار مستقيم
لا نص أبعد من حروف تلبس الزي القديم
الثورة الملقاة في مزبلة المدينة
تعفنت كعمامة مطلية بالدم
والكاهن (العرص) تلوى
مومساً تمايلت بين الرؤوس
صبوا الكؤوس
ولتسكر القبيلة العمياء”.

في ظل الحرب، يصبح الشحوب سيد الألوان، وتتجمد المشاعر:

“الجثة المقاة في قاع الحياة
لا شيء يرهبها
ممتدة في الحلم
تقطف شعرها
وتضاجع القتلى
وتصمت..
لا جديد!”.

يضيق أفق الحياة حين يسود الظلام، ويتربص المجهولبالمدينة والمدنية:

“ويقتل جند الأمير فراش الربيع
وتسفك كل عطور الحديقة
أين سيلعب طفلي
إذا ما تهاوت صروح المدينة
فوق رؤوس الصغار
حصار .. حصار”.

تعييه سطوة الجهل، و يغلبه جبروت التطرف، فيقرر الانسحاب، ولكن بشرف:

“وينهك عنترة الحروف
ولكن خسئتم
فأنى يتوب عن الشعر هذا النزار
حروفي رجال
وفكري قذيفة
وليس بطبع الرجال
التملق عند جواري الخليفة”.

يحزم ذكرياته بين ثنايا روحه، ويودع إرث والده الشعري بين جدران البيت العنداني العتيق، ويمتشق مركب النزوح المتلويكأفعى تسعى نحو الشمال على تلة (أطمه):

“قمر يكسره الزجاج
فكيف نتًبع الشعاع إلى القمر
وفراشة الوطن المريضة
بالجناح تكفنت
سال الرحيق على ضفاف الحقل
فانطفأ المطر
أقلامنا خلف السياج
تقدس البللور
تهزأ بالشجر
يال … الحذر”.

وهناك، في المخيم حيث يتكدس المستضعفون والمنشقون والمثقفون قد يصبح أكبر هم الشعراء هو الحصول على زجاجة دواءلطفل مريض:

” رغيف وزيت زماء وملح
وسقف رديء ينام علينا
وليل يمر وبعده صبح
ونسعى
نجاهد
حتى نفوز
بمعطف صوف… ولزقة جرح”.

خليط من الفقر، واليأس، والهرمونات الوثابة، يتجول صباح مساء في ربوع المخيمات، فيما يصبح الليل والشعر ملاذاً للوقوفعلى أطلال الروح، ورسم الأمل:

“لا لم يعد إنسننا في أحسن الحالات
بل سحقت ملامحه على مر السنين
وتمزق الوطن الحزين
هي قصة ثكلى
وتاريخ من الحزن الدفين
سلمى بماذا تحلمين
سلمى ستحلم بالعصافير التي
خرجت من الأقفاص
تكتب فوق برعمها تراتيل الصباح
سلمى كأزهار الأقاح
لا تنتمي للبندقية
أو لإيقاع الرصاص
سلمى ستحلم بالخلاص”.

المخيمات تحولت لقطعة لا تنتمي لا للزمان ولا للمكان:

“والضوء يهرب لا يمر على الخيام
كانت تلف وشاحها حول القصيدة
كي تنام
لكنه الشعر المسال على الجريدة يكسر الوزن القديم من العياء
تحت الحذاء”.

الخلاص يلوح في البعيد وراء الأفق، وراء البحر والأمواج، لم يعد مجال للمقامرة بمستقبل الصغار بعد أن ضاع الحاضر, وبات الكبار ينتمون للماضي:

“على جبين طفلتي
قرأت مستقبلنا المنفي من تاريخه
وبابتسامة تضج بالشرود
مسحت شعرها الحرير
فطفلتي مجهولة المصير
بالإصبع الصغيرأشعلَتِ الشموع فوق تلة السماء”.

ويركب (البلم) أملاً بالسلام، بعد أن قيل في بلاده للسلام سلام:

“أين السلام إذا كانت الحرب تبصق فوق وجوه الطغاة
فيغرق في بحر إيجا
السلام”.

ويرتحل … حاملاً أبناءه في ثنايا روحه، وفي قلبه زيتون الضيعة ووريقات أبيه التي تركها على رفوف مكتبته التي ستتحوللاحقاً وما تضمه رفوفها لوقود للتدفئة:

“شاطئ الرحلة يتمدد
أزرق هذا الظلام
لا كأس تملأ رغبة الظمئان
لا شيء يرفعه السحاب
ولا كتاب
بعض ذكرى جرَفتها الساقية
والماء ناء الماء ماء
لا شيء إلا وطن فوق الدماء
تحت الحذاء”.

في الاغتراب يراجع كل ما حصل منذ أن صدحت حنجرته بأول ترنيمات الحرية حتى وطأت قدماة أرض الراين فيدرك ساعتهامكمن العطب في المجتمع الذي أشبع هدماً طيلة سنين حكم الطغاة، فتحول بنفسه لطاغية، أو كاد:

“لأننا لم نتقن الربيع
لأننا في موسم اللابيع شئنا أن نبيع
ليعلم الجميع
أن التراب لن يضيع
أن الحقول لن تموت في ضميرنا المنيع”.

تستقر الأبدان وتأبى الروح إلا أن تبقى مربوطةً بحبل وريد الوطن:

“وقطرة مسك تبعثر كل حروف القصيدة
وعشب الدماء
يراقص فصل النمو
ويخشى اقتراب الحصاد
ورغم البعاد
أنت الحبيبة
أنت البلاد”.

الشاعر الصديق محمد إقبال بلو:
أشكرك جزيل الشكر على كرمك بإهدائك لي (سارين) وأرجو أن تكون قراءتي لجوهرتك الصغيرة هذه قد ارتقت لبعض منجمالية ماكتبت.
وبانتظار المزيد من الكرامة والأصالة والثورة.

محمد لطفي
المانيا
21/08/2019

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s