أمين عبد الهادي: الممسوس

أمين عبد الهادي: الممسوس

زي بوست:

منتصف الليل في المدينة المكوّمة على لحمها خلف مابقي من جدران حلب، تشبه أسواقها المقبيّة الحنونة كجدّة تكتنز الحكمة والسكينة وقت الأزمات الجسام، هذه الجدّة التي استباحتها الطائرات من السماء والجنود على الأرض، حطّموا باب المنزل الخشبي، صراخ مخيف وشتائم تهزم وقار الليل، نزعوه من فراشه من جانب زوجته، لم يصرخ ولم يتكلم ولم يسأل، لم يخرج أحد من الأطفال من تحت اللحاف، ألصقوا وجوههم بالفراش وسدّوا أطراف عيونهم بأيديهم الصغيرة.

انهالوا عليه جميعهم ركلا بأحذيتهم وبأعقاب بنادقهم دقّاً في كل أنحاء جسده، استغرب هو من نفسه، كيف لم يصرخ ولم يستنجد، بدأ وجعه أخرساً من داخله، زوجته وأولاده، بدأ وجعه من هناك من أغوار أعماقه حيث الأنفاق الّتي لاتنتهي، مدافن الذاكرة الكليمة الجريحة المهانة طويلاً وطويلاً.

وكيف تتفق الظروف والأشياء لتصنع الحظّ السيء، فبيته في الطابق الأخير، هذا يعني رميه ودحرجته مع الركل مئة درجة حتّى يصل مخرج المبنى، قذفوه داخل صندوق السّيارة، لم يحاول أن يفتح عينيه ولا أن يلمس جسده بقي هناك في منزله يحتضن أطفاله وزوجته بكل ما أوتي من قوّة، ترك كل شيء فيه كما رموه هؤلاء، من هؤلاء؟ ليس لديه وقت كافٍ لجوابٍ شافٍ، وإذا عاد إلى بيته فسيكون لديه باقي العمر – ربّما – للإجابة!!

هناك في مكان ما من العالم، عيناه مطفأتان بالقماط الأسود، يداه مشبوحتان بحديدٍ أقرب ماتكونا إلى السّماء – خطر له كيف كانت السماء رائعة وبديعة كأنّها في عرسٍ وهو يستلقي على ظهره قرب زوجته في مرّة على سطح المبنى، وينظران الى بديع السماء مندهشين ببهائها ويذكر أنّه قال : -لاإله إلاّ الله كم جميل ربنا-،ولكن الآن جسده كان حراً أرجوحةً في أتون لسع الكرابيج وضفائر الأسلاك والكابلات، كانوا كثرة أصواتهم واثقة وغاضبة وحاقدة جداً، ولايعرف هو لماذا هم على هذه الحال، كما لايعرف لماذا هو هنا، أين هنا؟ مكان غير معقول من العالم العجيب والواقعي والمنطقي! ولماذا هم غاضبون إلى هذه الدرجة المخيفة!

يجب أن يعترف، هكذا قالوا له، وبماذا يعترف؟ هو لا يعرف! ثمّ سألوه عن وطنه المعذّب والمستباح؟تسيل الذاكرة وتأتيه بواقعة جريمته، أنّه وهو ينتظر في رتل دور شراء الخبز، وكان زحامٌ وأحاديث شتى ،أنّ أحدهم قال له انّ الوطن معذّب ومستباح، وماكان منه إلا أن أومأ برأسه موافقا ،نعم هو ولا أحد غيره هزّ رأسه موافقاً أنّ الوطن مستباح، نعم ، ذنبه هو الّذي فعل، ولكن، رغم هذا فهو محظوظ، أن لم يذكروا، أنّ هزّ الرأس كان مع ابتسامة خفيفة.

هم يعرفون كل شيء، فقد قالوا له: سمعنا أنّ بك مساً من شيطان اسمه الوطن المستباح، وعرف أنهم شيوخ طريقةِ إخراجِ الوطن الشّيطان إذا لبس الإنسان أو سكن فيه!!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s