جهاد الدين رمضان: المرياع الخبير *

ققققق

جهاد الدين رمضان: المرياع الخبير *
 
 
 
زي بوست:
 
 
 
 
قرفص حمّور القواد على قائمتيه الأماميتين و هو يقضم العشب الطري في حديقة السرايا الخلفية، و كاد أن يتمردغ و ينهق بسرور لولا دخول كبير الدهاقنة الخنزير الوزير يطلب الأذن بالكلام، بعد التحية الرسمية و السلام البهيمي ، قال:
 
اسمح لي يا سيد الحظيرة بالتحدث إليك في الحديقة الخلفية على خلفية هجرة بعض الحيوانات في الربيع.
 
و ما الجديد في الأمر؟.. في كل ربيع تهاجر بعض الطيور و تعود في الخريف، و هذا يحصل في كل حظائر الحيوان و المراعي و الغابات، فهل نختلف عن أشقائنا؟
 
لا يا سيدي لا نختلف عنهم، لكن هذا الربيع يختلف في حقيقة الأمر عن باقي الفصول و المرابع و الربع!
 
نهض الحمار من جلسة القرفصاء، فالحديث بحاجة للإصغاء ، نفض عنه ما علق بشعره من عليق و غبار و حشرات، ثم قال بكل اهتمام:
 
في ايش يختلف هذا الربيع يا بهيم، ها قل لي؟
 
هذا الربيع كان دافئاً زيادة عن اللزوم، مما جعل بعض الحيوانات غير ذوات الريش تهاجر نحو الشمال و الجنوب في ذات الوقت، بعضهم ركب الطوف قبل الطوفان، و بعضهم جرفه السيل، و بعضهم بقي متشبثاً بالجدران مع الخرفان و الدجاج الوطني.
 
تباً لكل من هاجر و هجر الحظيرة، و طوبى لمن بقي معنا على الحصيرة.
 
زفر الخنزير نفسه الأخير، و قال:
 
لكن يا مولاي صار عددنا قليل، و أخشى أن تنقرض بعض السلالات كما حدثتنا الجدات، و ما تم ذكره في مغاور الأقدمين!
 
إلى هذا الحد بلغ الهجر درجة الخطر؟.. لم أكن أعلم أنه أمر خطير و أنا أهنأ بأكل الشوفان و الشعير!
 
نعم يا سيدي الحكيم! يبدو أن هذا الربيع جداً خطير، و أقترح على سعادتكم أن تسعى في تحسين النسل بشكل جَدّي و فعّال في الحال.
 
رد حمّور بغضب:
 
و كيف ذلك يا خنزير؟ هل تقترح أن أنكح الخراف و الدجاج و العنز؟ إنه حقاً إقتراح هبيل و مستحيل!.
 
حاشاك يا فحل الزريبة، قصدي أن نعلن عن مسابقة حيوانية لتوظيف خبير مرموق عالم في تكاثر الحيوانات، و يعرف أسرار تحسين النسل.
 
سمعت بشيء شبيه بذلك فعلتهُ الأرانب بدون الاستعانة بخبرات الأجانب، فربما نجد من حيواناتنا البلدية من يكون كفؤاً لهذه المهمة الهامة.
 
صحيح ما نهقت به يا سيد القطيع، أنت تأمر و نحن نطيع.
 
شكراً أيها الوزير المحنك، و لا بأس بفكرتك على سبيل التجريب قبل الاستعانة بخدمات الغريب، أوعِزْ للدب الكاتب أن يكتب الإعلان، و ليذِعهُ الديك الفصيح على كل مزابل الحظيرة و الزريبة و الاسطبل.
 
أمرك نافذ يا نافذ البصيرة، يا قواد الحظيرة. اسمح لي بالانصراف و لتهنأ بقضم العشب تحت شجرة الصفصاف.
 
 
دخلت السيدة الثانية على حضرة الوزير الخنزير، قاطعته و هو يتمرغ بالوحل و سِيان الكهريز**، قالت له و عيناها تلمع بخبث:
 
يا بعلي العزيز، قم انهض لتقابل المرياع الشجاع، جاء يطلبك في قضية مثيرة، و قد أحضر معه دلواً من خيرة بعر الغنم و العنز، و جزة صوف كبيرة.
 
و هل ذكر لك لماذا يطلبني؟
 
لا، امتنع عن ذكر السبب، و قال ماع بخجل.
 
حسناً دعيه يدخل إلى المعلف بينما أتنَشّف .
 
ركض المرياع لينطح الخنزير بود و ترحاب، لكنه جثا على قوائمه الأربع قبل أن يرد الخنزير عليه السلام بخطمه الكريه، قال له:
 
يا حضرة الوزير النظيف اليد و الخطم و الذيل و اللسان ، جئت أقصدك لفعل الخير و الإحسان ، و معي هديتي تشفع لي عند معاليك، أتمنى أن لا تردني خائب الرجاء.
 
طلبك مجاب يا حبّاب، هات ما عندك.
 
نهض المرياع عن الأرض، و تناول قضمة من العشب و صار يجترّها مع الكلام:
 
يا جناب الوزير الخنزير، سمعت عن مسابقة لتعيين خبير في زيادة تكاثر الحيوانات و تحسين نسلها، فقلت في نفسي و من لها غيري؟
 
م.. ما.. ماذا تقول يا مهبول؟ أنت الخصي من بين كل الكباش تريد أن تصبح خبيراً بلدياً في تحسين النسل و تكاثره؟!
 
ما.. ماع.. مع.. ليش، أنت بس اسمعني للآخر، بحق قرينتك المصونة و قرني المنشور ؟
 
طيب هات أكمل براحتك و اجترّ على مهلك ، اسمعني ليش أنت لها؟
 
يا معالي الوزير يمكنك القول بأني “عقيم” بدلاً من قولك عني “خصي”، و العقيم يعني في علم البشر النظيف الخالي من الجراثيم، و هذه شهادة بحقي. ثم عندما تم فصلي و فطامي عن أمي السخلة، كان ذلك لمصلحة القطيع قبل مصلحتي، لأنهم حين ألحقوني بالحمارة المرحومة أم حمّور، و رضعت من لبنها و أنا كبش صغير، تربيت على الطاعة و الانصياع لقوادنا الحمار الكبير، أمشي خلفه منصاعاً بلا تفكير، و القطيع يمشي خلفي أينما ذهبتُ و يطيع ، بينما الكلاب تنبح و تعوي في مؤخرة القطيع.
 
ها هنا أصبت عين النبع يا سبع، لكنك لم تجرب النكاح و لم تعرف لذة الجماع بعد أن أخصوك قبل البلوغ، و قصوا قرنيك كيلا تناطح الفحول، فماذا تقول؟
 
أقول نعم و لا أنكر، و قديماً قالت العربان و الرعيان: (الخصي يفتخر بزبِّ مولاه)*** و هل هناك أفضل من مولاي حمّور لأفتخر بفحولته و كُبرِ ذَكَرِهِ؟.. طالما حمّور مولانا و قوادنا يمكنك تدبر الأمر.
 
برطم الخنزير من خطمه بسرور، و دسّ ذيله في سطل البعر، و عبّر عن ابتهاجه قائلاً:
 
يعيش مولانا حمّور و دامت فضائله و مكرماته على الجميع، كلنا نفتخر به و بقيادته الحكيمة، طبعاً سنتدبر الأمر، ابشر يا صاحب الصوف فسوف تفوز.
 
 
طوال المسابقة كان المرياع في آخر الرتل، في سباق الجري كان يهرول في آخر الحلبة بينما فاز الحصان بقصب السبق، و في لقاح الإناث كان يحاول النطاح بينما انتهى الثور من النزو على البقرات بالعشرات للتو ، و في سباق الرماية رمى كتلة جلّة (روث البقر اليابس يستخدم كوقود في الريف قديماً) في الحلّة و حلّ عليه التعب، بينما رمى البغل الكلّة الصخرية حتى تقاطع السكك الحديدية، لكنه (المرياع الشجاع) و الحق يقال، كان يهتف في الجموع بصوت مسموع:
 
عاش حمّور بطل الركض و الرفس
 
عاش حمّور بطل الفحول و الذكور
 
عاش حمّور بطل الحديد و الصخر والعَلَف!
 
قدم المتسابقون أوراقهم الثبوتية وسيرهم الذاتية و شهادات التزكية و الخبرات، و بعد فحصها مع نتائج السباقات، فاز المرياع بمنصب الخبير الممتاز لتحسين النسل و زيادته ، لأنه الوحيد الذي يحمل شهادة “عقم و فقر حال”.
 
منذ أن تسلم المرياع منصبه، أنتجت الحظيرة أجيال عجيبة مُريبة نتيجة تجاربه المثيرة، فهذا المسخ هو نتيجة تزاوج حصان مع بقرة، و ذاك الحيوان المشوّه نتيجة نكاح القرد لأنثى الفهد، و ذلك المخلوق المسعور نتيجة لقاح كلب لمعزة مراهقة، و هاتيك الجراء بلا فراء نتيجة تزاوج خارج العِرف بين الديك ذي العُرف و القطة الحسناء، و أولئك البهائم المبهمة نتجت عن تزاوج الطاعة مع الولاء…
 
أما ذلك القطيع المتمرد فقد نتج عن جماع الظلم و القهر و الذل، و هجر الحظيرة و هو ينشد الخلاص مردداً :
 
صارَ الخَصيُّ إمامَ الآبقينَ بها
 
فالحُرُّ مُستَعبدٌ و العبدُ مَعبودُ
 
ما كنتُ أَحسَبُني أبقىٰ إلى زمنٍ
 
يُسيءُ بي فيهِ كلبٌ و هوَ محمودُ
 
………………………………………………………………………
 
جهاد الدين رمضان
 
في فيينا ١٩ أيلول / سبتمبر ٢٠١٩
 
*المرياع كبش من الخراف يفطم عن أمه فور ولادته و يلحق بأنثى الحمار ليرضع حليبها، فإذا لم تتوفر الإتان يلحق بحمار ذكر و يربط به رضاعة صناعية ليرضع منها الكبش، و تقص قرونه الحادة لكي لا يتدخل في معارك مع باقي الحيوانات، و يتم تدريبه على سماع نباح الكلب كيلا يخاف، و لا يجزّ صوفه ليوحي بالهيبة، و يخصى قبل بلوغه و يعلق جرس برقبته ، و بذلك يتعلم الإنصياع للحمار في مقدمة القطيع و يسير خلفه أينما سار، كذلك تطيعه باقي حيوانات القطيع بالسير خلفه حتى إلى حتفها.
 
**سِيان الكهريز المياه الآسنة الفاسدة التي تسري في أنابيب الصرف الصحي.
 
***المثل مذكور هكذا : (كالخصي يفتخر بزب مولاه) في مجمع الأمثال لأبي الفضل النيسابوري المشهور بالميداني، ج ٢ صفحة ٨١ .
 
و الشعر في آخر النص من قصيدة مشهورة للمتنبي في هجاء كافور الاخشيدي الخصي.
 
 
 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s