د. محمد لطفي: عناد الجذور

د. محمد لطفي: عناد الجذور

زي بوست:

(إهداء لذكرى والدي رحمه الله)

جبّارٌ هو كمثلِ شجرة التّين التي تنتصب في حديقة بيتٍ جَدّي.
لستُ أدري أيّ منهما هو أكبرَ عمرا من الآخر؟!
لستُ أدري كذلك من منهما يكون أقوى من الآخر؟!
فَساقُ شجرةٍ التين يزيدُ قطره كثيراً عن عرض خصر أبي، ولكنني أتذكر وفي مرّات عدّه، كيف أنّه كان يهزّها في بعض نوبات غضبه حتّى تخالُها ستنقلعُ جذورَها بين يديه!
لست أدري من منهما كان أَكرمْ؟!
فهي كانت تطرحُ مَوسما يكادُ يُثقل كاهلَها، فتتمايل أغصانها لتلامسَ أديمَ الأرض، فيما كان أبي يجلب لنا في كل يوم حلوى وبطّيخا أخضرَ وسطلَ لبنٍ كان يصلُ الى مستوى رقبتي، حين كنتُ أحاول سرقة القِشْدةِ المتخثّرة على وجههِ َناصعِ البياض.

عنيدةٌ شجرة التين، ومثُلها أبي…بل قد يكونُ هو أعند!
أتذكر الآن يوماً كانت فيه جدّتي جالسةً تبكي على ثالثِ درجاتِ العلِيّة في فناءِ الدارِ، كان أبي يضمّها إليه ويقول لها:
(لا تاكلي هم يُومْ، إذا قَتْلها دود النشّار، بقصّها من فوق القرمة، وبترجع بتفتُق من جديد)، فهمت ساعتها أن شجرة التين مريضة بداء دود النشّار القاتل.
اذاً ستموتينَ أخيراً أيّتها التّينةُ العنيدة العجوز، وسيبقى أَبي أقوى مَنْ في الدارْ.

وشاء أن تنجو شجرة التين من داء التشّار بمعجزة الخالق، ويذبح أبي خَرُوفاً، توزّعه جَدّتي على أقربائنا والجيران، ويحتفظ والدي لنفسه بالرأس و (المعلاق والخصاوي).
وتستمر المنافسة بين القوييَّن في الدّار: أبي وشجرةُ التين.

أبي الآن يقارب الثمانين من العمر، و لقد بات من المستحيلِ عليَّ أن أعلمَ، أيُهما هو الأكبرُ سناً، ولكنّ الأكيد أنّ كليَهما باتا ضعيفين هزيلين.
فتينةُ بيتِ جدّي لم تعد تطرحُ التّين إلّا ما ندَرْ، فيما اكتفى أبي بي أنا، وتسعةٍ من أخوتي اللذين استطاعوا البقاء مع الأحياء حتى الآن.

بالكاد يستطيع والدي الآن حمل إبنيَ الصغير حين يُقْبلُ مهرولاً تجاهه، ولكن شجرة التين ماتزال تستطيعُ حتى الآن حملَ ابنتي ومرجوحَتَها المعلّقة على غُصنها الأيسر الكبير، ولا زالت تتحمّل كذلك مرجَحتها وطيرانها في فناء الدار جيئة” وذهابا.
أيعقل أن تتفوّق شجرة التين أخيراً على والدي؟!
أيعقل أن يرحل والدي قبلها؟!

لم يعُد بمقدوري الجلوسَ إلى أيٍ منهما دون أن يكونَ الآخرُ حاضرا، في ذهني و َبعيدِ ذكرياتي.
إن مات أبي قبلها – لا سمح الله – فسأدفِنه في تُربَتِها وبين جذورها فهي ستحنُّ على رُفاتِه بالتأكيد كما كان يحنّ على فروعها وأغصانها طيلة تلك السنين، حينما كان يقلّبُها ويهَوّي تُربتها ويسَمِّدها بكلتَيّ يديه.
وإن ماتت هي قبله، فسأقطع أَغصانَها، وأصنعُ منها تابوتاً أحملُ عليه رُفاتَ والدي بعد عمرٍ طويل، فهو لم يكنْ يحلو له أن يشربَ قدَح الشّاي المُخَمّر إلّا وظهرُهُ ملاصقٌ لساقِها الثّابتهْ.

ولكنْ… ماذا لو مِتُّ أنا قَبلَهما؟!!!
يكفيني أن يحمِلَني والدي مع الحاملين، وأن يُلقوا على قبري بعضاً من أوراق تينةِ بيتِ جدّي في كل مرّة يزورون قبري فيها، ويقرؤون لي فاتحة الكتابْ.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s