عبد الغني حمادة: صورة بلا إطار

عبد الغني حمادة: صورة بلا إطار

زي بوست:

لأول مرة أرى وجهه بملامح تحمل في طياتها تهمة تنم عن الكثير من التخوين والاحتقار، فيما كان لسانه يقذفني بوابل من أقذر ما تحتويه قواميس الشتائم من صفات، لم أسمع بها طيلة حياتي:
– أنت مستهتر … انت لاوطني ، أنت خائن ..
نسي قائد السرية في غمرة غضبه، أو لعله تناسى العشرين عاما الماضية التي أفنيت خلالها ربيع عمري وزهرة شبابي في خدمة وطني، وتغاضى عن الأهوال التي قاسيتها، كم ذقت من المرارة والعلقم صابرا مجهدا ، غير نادم على خدمتي في الجيش.
قهر لا يطاق، وإهانة كبيرة. كيف لشاب بعمر أولادي تقريبا يكيل لي التهم جزافا، دون رادع أو مسؤولية!!
يا إلهي!!…
لقد أصبحت بنظره مستهترا، لامباليا، لا أقيم وزنا لعظيم الأمة، والقائد المعصوم عن الخطأ، كما يردد هو وزملاؤه!!
حاولت تبرير ما حصل:
– كان ذلك بسبب المطر سيدي.
– عليك أن تحميها برموش عينيك يا وغد.
– هو كذلك يا سيدي… ولكن!!..
هز رأسه، وهمهم بوعيد وويلات علي أن أنتظرها في الأيام القادمة، ثم ابتعد عن خيمتنا، وهو يخبط الأرض بقدميه غضبا ويبربر.

لا أعرف كيف يتغير الإنسان بتلك السرعة!!
بطرفة عين انقلب إلى وحش كاسر بلا قلب، بلا رحمة، بلا عقل، وراح يدلق عهرا مخبأ في جوفه، لا يمت لسلوك بشري.
وقف في باب الخيمة، وهو يتملى الصورة المعلقة، وقد تهدل طرفها العلوي بفعل الأمطار الغزيرة، التي ما انقطعت ليلة أمس، وكأنها تمتحن جلدنا وصبرنا، ومدى تحملنا.
فأحالت المعسكر إلى مسبح، وأرض الخيام إلى برك عامت فيها أواني الطعام البسيطة. فسهر الجنود ليلتها، وهم يدرؤون خطر الطوفان، ويسبحون في الوحل والطين، وهم يرتجفون من البرد ويرتعدون.

مط الضابط رقبته، رمق الصورة المبللة بالمطر، وانطلقت القذائف القذرة من فمه:
– ألا تعرف صورة من هذه؟!!
– بلى.. أعرف يا سيدي.. إنها ..
– اخرس ..
حييته، وخرست.

عندما مات جدي، بعد ثمانين عاما أفناها في مدارج الحياة، فتشنا عدة أيام عن صورة له، لتكبيرها وتأطيرها، لوضعها في صدر البيت، احتراما لذكراه الطيبة، لكننا لم نعثر إلا على صورة قديمة مخروزة بجواز سفر، سهل له أداء مناسك الحج عبر سفينة يونانية مع أمه حين كان شابا.
بذل المصور جهدا مضاعفا. فكبرها، ووضع لها إطارا مزخرفا، زادها جمالا وبهاء….

قبل أن تتحرك سيارة المبيت العسكرية بنصف ساعة، جاءنا الأمر باجتماع طارئ.
وبعد الحركات العسكرية الاعتيادية، وتقديم الصف لكبير الضباط، الذي أعلمنا بأن استنفارا كبيرا قد بدأ حتى إشعار آخر، وراح قادة السرايا يعطون التعليمات لعناصرهم.
أسرعت إلى الهاتف، وأخبرت زوجتي بالاستنفارالمفاجئ. فتذرعت المسكينة بتوسل:
– الرضيع بحاجة للحليب.
– تدبري أمرك.
– سنشتاق إليك.
– شدة وتزول…

بعيد منتصف الليل، ورغم البرد والشتاء القارس، كنا على أهبة الاستعداد. البنادق ومناظير الاستطلاع، وكافة اللوازم لتلك المهمة الخطرة جاهزة .
كنا نزحف على الشوك المندى بالمطر، على الطين الرطب، في المسالك الوعرة، غير مبالين بالبرد والصقيع، الذي كاد يجمد الدم في عروقنا.
خلعت معطفي الصوفي السميك، وألقيته على كتفي قائد السرية،الذي كان يرتجف من الخوف والبرد. فابتسم:
– ظننتك ستثأر مني بسبب الصورة!!.
– ليس الآن وقت هذا الكلام يا سيدي. فنحن ما بين الموت والحياة، والفاصل شعرة دقيقة بينهما، ثم لا تنس أننا في مهمة وطنية يا سيدي.

في غفلة منا انهمر الرصاص علينا كالمطر الغزير. فحصل اشتباك لأكثر من نصف ساعة، جرح على إثره بعض الجنود إضافة لمعلمنا، قائد السرية، الممدد وقد أغمي عليه، إلا من أنفاس تتلجلج في صدره.
حملته على ظهري خائفا أن يموت دون أن أستطيع إنقاذه.
بعد مسافة أنزلته عن ظهري، و ربطت له ساقه النازفة.
كان يئن وجعا، ويتمتم باسم خطيبته وأمه، وينظر إلي بدهشة.
في اليوم التالي، لملمنا جراحنا وجرحانا.
صحا معلمنا من إصابته فسألته:
– ماذا أفعل بالصورة؟.
ابتسم وربت على كتفي راضيا خجلا.

في الصيف الماضي وزع ضابط التوجيه السياسي صورة الطاغية لكل خيمة، وأمر بضرورة الحفاظ عليها.
فقام البعض بوضعها في إطار مذهب، وعلقها في صدر خيمته. أما أنا فقد استسهلت الأمر. فلصقتها بالصمغ الذي تمسك بها في حرارة الصيف القائظ.
ولكن ما إن بدأ الشتاء والمطر والرطوبة والصقيع، فقد الصمغ معظم فعاليته.
فبدأت تتهدل زاويتا الصورة من الأعلى، وخوفا من أن يراها المعلم بتلك الحالة، و لئلا أتهم بعدم الاكتراث بها. فقد كنت أسرع لإعادة لصقها وتثبيتها، وما إن تنهمر الأمطار ، وتنتشر الرطوبة تعود الصورة للتهدل مرة أخرى!!.
ماذا أفعل؟!.
إن رميتها فالويل لي!!.
صارت الصورة هاجسي ليلا، نهارا.
وفي غمرة انشغالنا بالطوفان في تلك الليلة، رآها المعلم متهدلة، تكاد تقع بين الأرجل. فتفوه بأقذر ما يملك من سباب وشتائم أخرجها من مزبلته. وفي غفلة من عيون الجميع قررت أن أمزق تلك الصورة اللعينة…
ألا بئسها من صورة ورقية، بثمنها، لا أستطيع شراء علبة حليب لطفلي الصغير،أو ربطة خبز!!.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s