جهاد الدين رمضان: شمّ و لا تدوق يا رابوق *


جهاد الدين رمضان: شمّ و لا تدوق يا رابوق *

زي بوست:

استاذ جهاد… عمي أبو شهد …
تساءلت في نفسي: أأنا المقصود بهذا النداء في هذا السوق المزدحم بشتى جنسيات العالم؟ سوق الخضار و المواد الغذائية في الحي السادس عشر بفيينا! استدرت فرأيت وجه “فاروق” زميلي السابق في مخيم تجميع اللاجئين، وفي السكن الجماعي المشترك في مدينة “آيزنشتاد” جنوب فيينا، عرفته فوراً و رجعت للخلف، سلمت عليه بحرارة و شوق، تصافحنا و تعانقنا و شرعنا نسأل بعضنا عن أحوالنا و ماذا حلّ بنا بعد تفرقنا في صيف عام ٢٠١٦ ، سألته :
– هل انتقلت إلى مدينة الأنس فيينا، أم مازلت في مقاطعة بورغنلاند Burgenland ؟
– لا والله يا أخي أبو شهد، أنا هنا لتسوق المواد الغذائية العربية و بعض الخبز، مازلت مقيماً هناك بعدما علقتُ بحب السيدة “سين” الله يزيدها حسن و جمال و دلال و يجعلها من نصيبي، انتظر موافقتها على الزواج مني لننتقل إلى هنا عاصمة النمسا و الفن.
– عظيم، و من هي صاحبة الحظ سين، هل أعرفها أنا ؟
– نعم تعرفها، و هل يجهلها أحد من سكان المدينة الحديدية (آيزنشتاد Eisenstadt ) ؟ إنها الحسناء العربية ذات العيون الزرق و الشعر الأشقر و الغمازة الحلوة قرب الفم، صاحبة أجمل وجه و جسم في جمعية رعاية اللاجئين التي أقمتَ فيها معنا بعد انتقالنا من الكامب .
– آها، تذكرتها الآن، إنها المتطوعة سين “فاتنة اللاجئين”. يبدو أن الحديث سيأخذنا في سين و جيم، هيا نجلس في مقهى قريب و نواصل الحديث و الذكريات إذا كان عندك وقت؟
– لم لا، فقد اشتقت لك والله يا أخي أبو شهد، قطاري كل ساعة ينطلق حتى آخر الليل، و النهار طويل و جرحي كبير، ربما تساعدني في الشفاء منه بنصيحة منك لوجه الله .
– على الرحب و السعة، و أهلاً و سهلاً و مرحبا بك، هيا بنا ننطلق إلى المقهى قبل انطلاقك إلى محطة القطار.

جلسنا في مقهى تركي تتوفر لديه القهوة العربية التي يفضلها فاروق، كذلك قهوتي الاسبريسو المفضلة، قال زميلي فاروق بعد طلب القهوة و قطعتي بسكويت :
– لقد وضعتَ يدك على الجرح عندما قلتَ عن السيدة سين فاتنة اللاجئين، هل تعلم أن جمال جسدها و كثرة عشاقها هو جرحي و سبب علّتي؟
– كيف ذلك؟ هل أنت متيم بها لهذه الدرجة الخطيرة من العشق و الغيرة؟

– أعشقها و بس؟ قل أعبدها علناً و في السر، و أغار عليها من نسمة الجنوب و الشمال و الشرق، أقول لها غطّي ساقيك و فتحة نهديك، تضحك و تقول لي نحن في أوروبا، في قلب العالم الحر!
ضحكتُ من حركات زميلي فاروق و هو يشرح لي موقفه من تصرف حبيبته سين، ابتلع ريقه و غمغم محاولاً السيطرة على حنقه الواضح، أخرج من جيبه قطعة “شوكولاتة” خالية من الخمر، ناولني إياها و أكمل سرد حكايته :
– ام.. مم.. ما بعرف كيف وقعتُ في شراك حبها بهذه السهولة و السرعة الجنونية ، أنت تعرفني صاحب تجارب كثيرة مع النساء، حذر جداً و كتير “حربوق” ، لكن هذه السيدة سحرتني بجمالها و لهيب مشاعرها و عذوبة ألفاظها منذ اختليت بها للمرة الأولى في بيت صديقتها الريفي قرب البحيرة الكبيرة، أخذتني نهار ذلك اليوم بسيارتها و عدنا بعد ساعات في المساء، قبلتني بحرارة و عانقتها بلطف، قالت لي أريد منك أن تحميني من عيون الشباب، لا أطلب منك الارتباط بعلاقة حب أو أي التزامات، مجرد مشاعر و أحاسيس مبهمة تنتابني تجاهك و لا أعرف لماذا و كيف، أرجوك احتضنّي بقوة و حنان لأشعر بالأمان، و قبلني كيفما شئت…
توقف فاروق و خطف أنفاسه و نظرة سريعة إلى الشارع، و أكمل متنهداً :
– أخَذَتْ عقلي يا أبا شهد، كلما قبلتها و شممت رائحة جيدها تعلقتُ بها أكثر و غصت في العمق، لكنها كانت تنتفض فجأة و تدفعني للخلف بقوة و عنف، و تزجرني قائلة لي عيب عليك، حرام، لا تستغل ضعفي أرجوك .
– يعني خافت من ارتكاب الفاحشة معك و هي التي أخذتك للخلوة السرية؟
– نعم هكذا يبدو يا أخي “أبو شهد” ، لكن كما تعرف في الحب ما في عيب ولا حرام و لا خوف و لا منع .
– بس علاقتك معها كما وصفت أنت ليست علاقة حب، إنها مجرد إعجاب و تودد فقط .
– هكذا كانت في البداية قبل تسلل الغواية إلى قلبي و عقلي، لقد فتنتني بسحرها و غنجها و دلالها، و تمكّن حبها من ثنايا فؤادي، و ضرب جذوره في أعماق القلب، كلما شممتُ عطر أنفاسها طمعتُ أكثر و أكثر.. (آه يضرب الحب شو بذلّ) يا أخي أبا شهد!
– خسا و كلّا، ما عاش اللي يذلّك يا فاروق، أنت عزيز النفس، و بطل مشقوق!
قاطعني الأخ فاروق مستنكراً كلامي البريئ، قطّب جبينه و سعلَ مرتين، و قال:
– عفواً؟ شو قصدك بأني مشقوق، ما فهمت عليك؟
ابتسمت في وجهه لأمتصّ غضبه، و قلت له بهدوء :

– الله يطول لك في عمر الحجة أمك، هذه أمي هكذا تقول عن المنشقين، حتى قريبها الشرطي “علان” المنشق عن النظام قالت له عشت يا “مشقوق” .
انفرجت أسارير فاروق و انفجر بالضحك، قال لي بعد أن ضبط نفسه و توقف عن الضحك :
– الله يسامحك، و يسامح الحجة أمك و يطول في عمرها، حسّبتك تقصد غير شي “بلا معنى”، مقبولة منك أخي أبو شهد.
– العفو منك، أنا أحب استخدام كلمات أمي العفوية الطريفة، هذا كل ما في الأمر..
توقف محدثي عن الكلام المباح ليرتاح، رشف من فنجانه عدة رشفات على مهل، ثم قال :
– يا خيو ما حدا بيفهم على المرأة إلا اللي خلقها، تقول الله خلقها من روح الشيطان أو من طينة الغموض أو عنصر السحر؟
– شي طبيعي يا فاروق، ففي قصة خلق الإنسان انتصرت أمنا “حواء” على الشيطان، و أنزلت “آدم” من الجنة إلى الأرض .
غبّ فاروق رشفة سريعة من قهوته العربية المركّزة، وضع الفنجان على الصحن بعنف فأحدث صوتاً كالارتطام، ما جعل السيدة المسنة الجالسة إلى الطاولة اليسرى تلتفت نحونا .. نظر إلي و قال ضاحكاً :
– الله ينصر دينك يا أبو شهد! أي والله لقد نطقتَ بالحق : (يتمنّعنَ و هنّ راغبات) أنا هيك فهمت.
– لكن لا تروح لبعيد، في نساء تتمنع بلا رغبة، بل عن خشية و قناعة بتحريم الدين، و ربما فلانة “سين” من ضمنهن، فلطالما زجرتكَ قائلة حرام عليك و عيب؟
– أي حرمانية و خوف تعرفه سين يا أخي، كانت تتمنع علي و ترمي نفسها في أحضان غيري بذات الوقت، كأنها تتقصد إغاظتي و إثارة غيرتي بعلاقاتها الظاهرية المتعددة، و كلما عاتبتُها تجاوبني بخفة دم : (ايش عليه نحن في أوروبا… بعدين وين راحت حقوق الإنسان يا فهمان؟) .
ابتسمتُ من قلبي مستظرفاً تبريرها الطريف، و قلت :
– معها حق، هذه حرية شخصية، و نحن في دولة أوربية، لكنها قد تقصد أحداً غيرك تسعى للوصول إليه؟.. سمعتُ بأنها على علاقة مع السيد “عين” قبل مشاهدتي لهما معاً في آخر مرة منذ شهر تقريباً أمام محكمة المقاطعة، عرفتني عليه بأنه خطيبها و سيتزوجان في المستقبل القريب جداً، أما كنت تعرف بذلك أنت؟

– سمعت شيئاً قريباً من هذا الخلط و استنكرت، فهي جميلة جداً و الكل يزعم حبها و وصالها عن كذب، ومن ثم : أنا أفضلُ من “عين” و أحبها بصدق، و هي حلفت لي بأنها لا تحب غيري.
سكت فاروق و قد أحمرّ وجهه من الخجل، غصَّ بشرب الماء و هو يحاول أن يخفي ذيول الخيبة عني، قال بعد تفكير يسير:
– يا خوفي يكون كلام الناس عنها صحيح يا أبا شهد؟ العمى صار الفار يلعب في عبّي، و الشك يقرضني، ياما عاملتني على مبدأ شمّ و لا تدوق…
طبطبتُ على ظهره و قلت له مبتسماً :
– تفاءلوا بالخير تجدوه، خير ليش كل هذا الخوف؟
تنهد فاروق بعمق محاولاً طرد وساوسه خارج المقهى، و قال بيأس :
– ذات يومٍ ذهبتُ بمهمة إنسانية مع رئيسة جمعيتنا خارج المدينة، قالت لي رئيسة جمعية رعاية اللاجئين في ذلك الحين: حاذر من “عين” فعلاقته جدية مع “سين” ، الماء تجري من تحتك يا غشيم، و خصمك ينام في سريرك يا مسكين!.
لم أصدق كلامها أو آخذه على محمل الجد في ذلك الوقت، ترى كلامها صحيح؟.
– قد يبدو هذا صحيحاً و لا تستغرب الأمر، فقد قالت العرب : ( تحت الرغوة اللبن الصريح). أرجو أن تنجلي الرغوة و يتضح الموقف الصحيح، و آمل ألا تكون المرأة سين قد جعلت منك “رابوق” يا فاروق، و ألا يكون الأخ عين هو “الحربوق”** و ليس أنت؟.
لكن قل لي، بعد كل معاناتك معها أمازلتَ تأمل في وصالها، و ترجو الله أن تكون من نصيبك أنت؟
– شو بدي أعمل يا خاي، الأمر ما هو بيدي، الأمر بحكم الحب!..
بس دخلك شو يعني رابوق؟ هل هو حيوان أم نبات أم جماد أم من مصطلحات الحجة أمك الله يخليها لك؟
قلت له بدون تفكير :
– لا هذا ولا ذاك، الرابوق مثل “إجر الكرسي” كما نقول نحن في أمثالنا الشعبية، و لتوضيح معنى الكلمة باختصار، سأضرب لك هذا المثال على سبيل التشبيه :
(في جماعة في البلد اشترى النظام سكوتهم في ربيع عام ٢٠١١، و زعبر عليهم بشوية كلام معسول عن اللحمة الوطنية و الحقوق الشرعية و الاحتفالات العلنية، مع إرخاء قبضته على الأرض لصالحهم و مصلحته، احتفلت الجماعة و ابتهجت بكرم النظام و تسامحه لدرجة الظن بأنها ندّ له بالفعل، لكن في الواقع ما هذا إلا طريق النظام لشراء سكوتهم، و وقوفهم في وجه الطوفان بدلاً عنه) .
عرفت مين هو الرابوق و الحربوق و المشقوق يا فاروق؟

جهاد الدين رمضان

فيينا في ١٢ تشرين الأول / أكتوبر ٢٠١٩
*رابوق كلمة لبنانية و عنوان اسكتش للفنان الموهوب فيلمون وهبي رحمه الله، تستخدم في لبنان و ربما في الشام على أنه الشخص (الرابوق) الذي يختاره المحب متظاهراً بمبادلته الحب، لكنه في حقيقة الأمر يكون جسر الوصول للحبيب الحقيقي، و هو يجهل ذلك و يظن نفسه المطلوب عن سذاجة و طيبة قلب .
**الحربوق : مصطلح شعبي دارج في لهجة أهل حلب و عموم الشام ، يطلق على الحذِق البارع بخبث و مكر الذي يتمكن بحربقته (شطارته) من نيل غرضه مهما كان صعباً على غيره، و إجر كرسي أي رِجل كرسي تتخذ للتوازن و حمل الثقل .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s