عبد الغني حمادة: صندوق البوظة

عبد الغني

عبد الغني حمادة: صندوق البوظة
 
 
زي بوست:
 
في عمر اليفاعة البائسة، يا إلهي كم كنت أكره العطلة الصيفية !!.. فغيري يستمتع بالعطلة كما يشتهي ، أما أنا وثلة البائسين ، فقد كتب علينا أن نعيش الذل والتعب والقهر والشقاء والمطبات.
 
 
كنا ثلاثة عفاريت ، أقصد ثلاثة أولاد مجبرين على مساعدة أهاليهم بتدبير لقمة العيش كيفما كان ، حسن ذلك الشقي الذي يسابق غبرة قدميه في الركض ، إن خلع حذاءه فالكلاب لا تناله ، أسمر السحنة ، أجعد الشعر ، كسول في المدرسة لدرجة البلاهة ، لا يطيق المدرسة ولا المعلمين ، وخاصة المدير الأصلع ، عديم الرحمة ، كما ينعته.
 
 
حسن واقع بين مطرقة المدرسة وسندان صندوق البوظة ، علاقته بأبيه متينة لا تقطع أواصرها الكلاب ، فهو لا يسمعه جدول الضرب ، و لا يطلب منه كتابة سطرين بلا أخطاء إملائية. إضافة إلى أن أمه تقف في صفه حين يرتكب خطأ ما ، وهناك سبب آخر يجعل أباه يسامحه غالبا على هفواته وحماقاته ، كونه يستغل أية فرصة في كسب بعض الليرات ، وتلك كانت نقطة ضعف أبيه.
 
 
رفيقنا الثاني ، أوديب ، نعم أوديب ، أخوه الكبير يقول :
– كل الحق على موظف النفوس ، أبي أراد أن يسجل اسمه ، أديب ، لكن بغلط بسيط صار أوديب ، يالله ليست خسارة ، أوديب اسم عظيم كما عرفت فيما بعد ..
أوديب هذا كان يرسب سنة وينجح أخرى ، لذلك فهو أطولنا جسما ، وأقوانا عضلات ، لكن للأسف كان قلبه ، ضعيفا ، جبانا كأرنب ، هشا جدا ، وكم كان حسن السعدان يعيره:
– أااااخ لو كنت مثلك !!.
 
 
فعلا رغم ضآلة جسم حسن السعدان ، فإنه كان كالبارود ، جسده النحيف ، جعله خفيفا كالثعلب ، بهلواني الحركات كالقرود ، لهذا أطلق عليه خاله لقب السعدان .
وغالبا ماكنا نحتمي بأوديب حين اللزوم ، أحيانا ننجح ، وأحايين كثيرة كنا نفشل ، فما أوديب إلا هيكلا ، جسما صلبا بلا قلب قوي .
 
أما محسوبكم ، أعني أنا فكنت طالبا مجداً ، رماني القدر بين براثن حسن السعدان ، وأوديب الطشم ، هكذا أطلقنا عليه لقبا يليق به ، الحقيقة ، حسن هو من أطلق عليه ذلك اللقب ، أما أنا فكنت أخاف من قبضة يديه القاسيتين ، وركلات قدميه المفلطحتين.
 
 
كنت أنتمي لأسرة تعتبر أفقر من الشيطان إلا قليلا ، لا تستغربوا ، كنا أربعة إخوة ذكور وأخت واحدة ، لأب بسيط جدا ، لا يحسب للغد أي حساب ، أما أمي ، ماذا أحكي لكم عنها؟!!.
 
 
أمي ما في منها في الكون ، باختصار ، هي امرأة من عسل وسكر ومسك وعنبر ، ذات وجه بشوش ، ترضي الملوك بلسانها ، عصبية جدا ، وكأنها خلقت من النار ، لا تحب أن يغلبها أحد.
 
 
كانت هي مديرة البيت ، ومدبرة أموره ، فما إن تنتهي المدرسة ، توزع المهام علينا ، الكبيران عليهما أن يرافقا أبي إلى أعمال الزراعة ، إلى وادي جهنم ، كما يقول خالي جاد الله ، والصغير معفي كونه مازال غض العود.
 
 
أما أنا فكما السنة الماضية ، علي أن أرافق حسن السعدان وأوديب الطشم في بيع البوظة.
 
 
نسيت أن أقول لكم انني كنت بلا لقب ، والسبب واضح ، لا يحتاج للذكاء كثيراً ، فأنا علي أن أحل لهما الوظائف ، وأرسم لهما الخرائط ، ورسومات العلوم ، لذلك كانا يتناوبان على حمل صندوقي في طريق العودة إلى القرية بعد أن نملأه بقطع البوظة المغلفة …
 
 
وبسبب صوتي الرخيم كنت أنادي عنهم وعني طبعا مع تلحين يجذب المشترين:
– بوظة ..نبيل … سحلب وحليب … يالله بوظة .. قرب وجرب.
 
 
معمل البوظة ، كان قريبا من مشفى الأمراض العقلية ، المسيج بقضبان حديدية لا تسمح إلا للقطط بالعبور من فرجاتها ، ومع ذلك كان حسن يحاول إدخال رأسه عبر تلك القضبان ، لا لشيء ، بل مجرد شقاوة صبيانية ، أو ربما كان يعتبر ذلك إنجازا ، أو تميزا علينا.
 
 
في ذلك اليوم الشديد الحرارة ، وبعد أن ملأنا صناديقنا بالبوظة ، بطعومات مختلفة ، حليب ، شوكولا ، وكرز ، وورد ، وفستق حلبي …
اقتربنا من المشفى ، ولأول مرة نرى هؤلاء النزلاء يقضون استراحة طويلة ، كونه يوم عطلة أسبوعية ، في حديقة المشفى.
يا إلهي ، ما هذا ؟؟!.
 
 
رجال بأجساد ضخمة ، وأعمار كبيرة ، لكن للأسف بلا عقول ، كانوا يتصرفون كالأطفال بكل عفوية ، أحدهم كان يرفرف بيديه وكأنهما جناحين ، ويطلق صوتا كالطائرة ، دون أن يضحك أو يبتسم ، أما ذلك الكهل الشائب فكان يلقي علي شجرة السرو خطبة عصماء عن دور الحمير في بناء الأوطان ، سمعت أنه كان مدرساً للغة العربية ، ومن شدة ذكائه جن ، فقد عقله ، إلا أن خالي حكى غير ذلك:
– لا يا بن أختي … هذا الأستاذ عباس ، فقد عقله من كثرة ما قتلوه وعذبوه في السجن … كان يكره الظلم ، وينتقد أي خطأ يراه .. لذلك ارتاح أخيرا في هذا المشفى.
 
 
شدة حرارة الشمس جعلتنا نخاف من أن تذوب البوظة وتخسر تجارتنا .
كنت أتوجس خيفة حين نمر جانب سور المشفى ، أما أوديب ، فلم يكن يعنيه ما يدور داخل هذا المبنى ذي الطوابق الثلاث ، حسن كان أكثرنا جرأة وتهورا ، وقد حاول عدة مرات تسلق السور والدخول ليسرق الوردات ، ليزين بها صندوق البوظة ويجلب الأنظار إليه.
 
 
هناك شيء في مشفى الأمراض العقلية كان يدفعني للتعرف على عالمهم الخاص.
إحساس غريب كنت أجده حين أراهم من خلال النوافذ العليا ، تلك التجعدات بين أهدابهم الحمراء المتعبة ، وبين أجفانهم الطويلة ، وشعرهم الحليق ، وحواجبهم غير المشذبة ، بين رعشات أيديهم وارتجافات شفاههم ، في نظراتهم القلقة ، ودوائر التعب التي رسمتها الحياة بقسوة تحت عيونهم المرهقة ، وتلك الهالات السوداء تحت عيونهم المحمرة دائما ، وكأنهم لم يناموا منذ سنين ، وذلك البريق الخافت من عيونهم التي تخفي حكايات قهرهم ، وقصص مجيئهم إلى هذا المأوى الغامض ، لهم عالمهم الخاص دولتهم الخاصة ، وكأنهم في كوكب آخر غير الذي نسكنه نحن أصحاب العقول . ومع تكرار المرور قربهم هدأت روحي ، وأنستهم شيئا ما ، وازداد الفضول لمعرفة ما يدور في عقولهم وفي كوكبهم الغامض .
شدتني مناظرهم وهم يلعبون ، كالأطفال. عجوز يحتضن دمية ويمسد شعرها ، ولسانه لا يهدأ عن تكرار:
– أنا بريء يا ماما … والله بريء.
 
 
شاب في مقتبل العمر ، جسده ملفوف كالزنبقة ، يبكي ، يشهق ، ويتحشرج صوته :
– أريد نجوى ، والله أحبها ..
 
بعضهم كان يرقص ، وآخر يغني ، وآخر يضع أذنه على الجدار ، ويصيخ السمع ويبتسم بين فنية وأخرى. أما ذلك النزيل نصف العاري، فكان يرسم خطوطا على الأرض بعود ويبربر بكلمات غير مفهومة ، ثم يمحوها ويعيد رسمها وهذا ديدنه. إنهم يعيشون في عالمهم ، دون أن يعرفوا أنهم مجانين.
 
 
لم ننتبه كثيراً لما حل بصناديق البوظة، فقد أدت الشمس مهمتها على أكمل وجه، وبدأت البوظة الذائبة بالسيلان من زوايا الصناديق الخشبية.
 
 
أوديب الطشم ، كان صاحيا ، منتبها . فحمل صندوقه ، علقه بكتفه ، وراح ينادي :
– بوظة نبيل … عسل يا أولاد …
بوظة ستيك ..
كان بإمكاني أن ألحق بالطشم ، لو لا ما قام به حسن السعدان .
بين هزل وجد ، تراهنا على أن يدخل رأسه من بين قضبان الحديد ، فعلا كما تتصرف القرود ، أدخل حسن رأسه بشق النفس.
لكن حين أراد أن يخرجه ، فشل ، حركه ذات اليمين وذات الشمال ، احمرت أذناه وأنا أعالجها في محاولة يائسة مني لإنقاذه.
 
 
يا إلهي ماذا نفعل ، لقد وقعنا في مأزق يستحيل الخروج منه.
نزلاء المصح غير عابئين بما جرى معنا.
حسن يحرك رجليه في الهواء مستغيثا ، وبين الضحك والبكاء ، تهدل رأس حسن الذي كان سعدانا قبل هذه الورطة.
أمسكت بقدميه ، شددته بأقصى ما أملك من قوة ، صرخ من الألم:
– خلصني أرجوك … أبي سيذبحني …
 
 
عجزت عن إنقاذه ، بدأت البكاء مع حسن المعلق كالذبيح ، رأسه في الداخل ، وجسده بين يدي .. مالت الشمس نحو الغرب ، ومازال السعدان عالقا ، وفرصة نجاته سالما بدت شبه مستحيلة ، قطرات من الدم سالت من حول أذنيه مختلطة مع حبات العرق مشكلة ساقيتين من دم شفاف تجريان لأسفل ذقنه ، عجزنا ، وضعفنا دفع حسن للصراخ ، ثم انخرط في نحيب وبكاء كاد أن يقطع نياط قلبي.
– يا إلهي ، ماذا أفعل ؟؟!.
 
 
حاولت جهدي ، كدت أقطع أذنيه ، خلعت فردتي حذائه وأنا أجره ، لكن ذلك كان عبثا ، تعبا دون طائل …
المارون من قربنا كان أغلبهم لا مباليا ، ينظر ببلاهة وبعدم اهتمام ويتابع سيره ، وآخرون كانوا يبتسمون ، أو يمتعضون ، لكن دون أن يبادروا للمساعدة أو المساندة ، وهذا ما جعلني أتألم أكثر.
 
 
رغم ما يعانيه حسن من ألم ويأس بالخلاص، فقد كان ينبهني بين فينة وأخرى:
– انتبه على صناديق البوظة .
– لا تهتم يا حسن ، البوظة بخير …
 
 
برقت في ذهني فكرة ، لم لا أستعين بهؤلاء المساكين المشغولين بعالمهم الخاص ، وكأن الأمر طبيعي ، وحسن السعدان لا يهمهم.
فتحت صندوق البوظة ، وأوهمتهم بأني سأوزع مافيه عليهم ، لكنني أبعدت الصندوق بحيث لا تطاله أيديهم ، أمسكت قضبان الحديد بيدي وبدأت أحاول مباعدتهما عن بعض ، لعلهم يساعدوني فنفك أسر هذا السعدان المعلق بين اليأس والأمل ، بين الموت والحياة …
 
 
حسن يصرخ ويبكي ، وأنا أزفر وأدعو الله أن ينجيه من ذلك الفخ ، أما المجانين فكانوا يزأرون ، ويسيل لعابهم ، احمرت وجناتهم ، انتفخت أوداجهم ، وماهي إلا لحظات حتى ملص رأس حسن السعدان ، فحمل صندوقه وأطلق ساقيه للريح ، وهو يبكي و ينادي:
– بوظة .. نبيل .. بوووووظة.
 
أما أنا ففتحت صندوقي ورحت أوزع عليهم قطع البوظة بكل غبطة ، وأهبهم بعض روحي ، ودفء قلبي!!.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s