قصة قصيرة: أحسن من غيرو 

الجهماني

قصة قصيرة: أحسن من غيرو

ثامر الجهماني – زي بوست
تعالت الأصوات في المعسكر علت الجلبة أرجاء المكان ، ترحيباً بالضابط المنشق الجديد . كلهم زملاء بالعمل ، هم ثلة من الشرفاء ساقتهم أقدارهم إلى المكان الخطأ بالزمان الخطأ ، لكنهم أدركوا بفطنة العارف ( المؤمن كيسٌ فطن ) أن البوصلة سترشدهم وقد فعلت .
البعض التحق بأهله وناسه مدافعاً عنهم ، والبعض الآخر تأخر لحمأة الضغط والرقابة …آخرون كانوا مستفيدين أجبروا على الوقوف في النقطة الرمادية .
– تفضل لهون أبا زياد .
أبو زياد كان انطوائيا ً بالأصل ، وقد بدت عليه دعة العيش الكريم ، كان ميسور الحال 110 دونماً مزروعة بأشجار الزيتون التي ورثها عن ابيه ..كفيلة بذلك .
بسيط غير متكلّف غير مهتم بالسياسة وأخبارها ..جرّته الثورة ليتابع أخبار زملائه الضباط ما بين شهيدٍ ومنشق بطل وقاتل مأجور …لم يكن يجرؤ على التعليق …
_ هات أبا زياد خبرّنا كيف انشقيت وليش التأخير .؟
_ بنعرفك وطني إبن أصول ؟
جحظت عيناه ، احتقن وجهه المائل للحمرة أصلاً . ارتبك قليلا ً …مد يده استلّ لفافة تبغ من علبة زميله ، علّه يضبط ايقاع قلبه المضطرب …..أمسك هاتفه المحمول وبحركة يشوبها الحنق اتصل بزوجته التي تقبع في مخيم الزعتري ….
– عجبك هيك يابنت الكلب …يلعن أبوك على أبو إبنك …مامعي حق ياكيت دخان …! قطع الاتصال قبل أن تفلح أم زياد بالرد أو تطييب خاطره …مسكينة أم زياد ..!!
غبّ كأس الشاي الفاتر ، امتشق قامته هم بالنهوض ، أدرك أن العيون اشرأبت اليه ..اعتدل بجلسته أشعل لفافة تبغ جديدة …راح يراقب دوائر الدخان الفارّة من فمه . راح يسلسل الأحداث كيف انشق وانضمّ للثورة …إنه ابني زياد ..ذو الستة أعوام ..
مساء ذلك اليوم أحضرت أم العيال أطباق الطعام …جلست في مكاني المعتاد ..جلس زياد بالقرب مني أمسك ” الريموت كونترول ” ظهرت صورة الجزيرة …كالمعتاد ابني مشدود إلى الأخبار ( أخبار الثورة ) ، مجزرة جديدة اطفال مقطعة أوصالهم ..رؤوس تتطاير …اللقمة الأولى اضطررت لبلعها إلى الاستعانة بكوب ماء ..
أعلنت المذيعة انشقاق الضابط الفلاني …
طأطأ زياد رأسه وعقد جبينه وعلّق على الخبر بصوت مرتفع (( أحسن من غيرووو وووو)) وشدّد على الحرف الاخير بعد أن رماني بنظرة استياء …فعلقت اللقمة في حلقي ، كدت أختنق …
ضابط آخر و آخر والركب يسير وأنا حيث أنا لا أبالي …لا…. كنت أتقطّع من الداخل . لكن لا أملك الجرأة ….صوت زياد سكين يقطع القلب ( أحسن من غيرووووو) ….لم ينهي كلامه تناول الهاتف بعنجهيّة اتصل بزوجته:
– عجبك يا بنت الكلب …؟
– وينو زياد؟
– انه يلعب مع الأطفال خارج الخيمة ببضع عقارب اصطادوها اليوم …أجابت ام زياد بفخر .
– ناديلي ياه بسرعة وعطيه الهاتف …
– الو بابا زياد شلونك …مبسوط بابا …
– نعم بس مو كثير …عم نلعب ..ومو خايفين ما في هون شبيحة. بس بدي أسألك انت شو عم تساوي عندك ..سمعت عمو الأصفر نزل على درعا ليحمي الناس ….( أحسن من غيرووووو) .
أسقط بيده أغلق أبو زياد الهاتف …ارتبك هاج وماج …يالله يا شباب ..
– إلى أين أبا زياد .
– حيّ على الثورة…حيّ على الثورة يا رجال

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s