أحدب ساربروكن


أحدب ساربروكن

ريان علّوش

منذ أن وصلت إلى هنا بدأت تتشكل إنحناءة خفيفة في ظهري
في البداية قلت لنفسي هي حالة عرضية نتيجة تغيِّر المناخ، إلا أن الأمر تفاقم في الفترة الأخيرة لدرجة إني بت أشبه بعجوز تعيقه انحناءة ظهره عن فعل أي شيئ، هذا الأمر جعلني أعتكف في المنزل منذ مدة طويلة، فما كنت أعانيه حقا هو الانصراف عني من قبل الغالبية، أما القلة فكانوا يتعاملون معي من باب الشفقة، وهذا مالم استطع تحمله.

كثر هم الأطباء الذين ترددت إليهم لكن دون نتيجة، لقد حيرتهم حالتي لدرجة الإحراج
وحده الطبيب النفسي شخَّص حالتي قائلا:
إن غالبية المشرقيين يصابون بهذه الأعراض التي تظهر بأشكال مختلفة، بعضهم يهملها فتصبح جزءاً منه فيعيش منعزلاً في كانتونه الخاص، وبعضهم يحاول ايجاد حلول لها، لكن عليك قبل كل شيئ أن تتخلى عن حمولاتك الثقيلة كي تعود لك استقامة ظهرك.

كلام الطبيب النفسي هذا كان قبل حوالي اسبوع، و منذ ذلك الحين اعتكفت في منزلي تحت ضغط التفكير بكيفية التخلي عن أحمالي الثقيلة كما أسماها.

هذا الصباح بخطوات متثاقلة كعجوز اتجهت نحو خزانتي باحثاً عن كل ما تمثله تلك الحمولات، بعد أن نفضت عنها غبار السنين، رتبتها حسب الأهمية، فتوحات,غزوات، فتاوى، انتصارات، أحزاب، خطب دينية وسياسية، نكبات، نكسات، إيديولوجيات ، بعض من العادات والتقاليد، وهكذا حتى بات لدي هرم متوسط الحجم.

أحضرت بعدها الحقيبة الزرقاء المخططة التي تسلم لكل لاجئ عند وصوله إلى هنا ووضعت الهرم فيها بعناية ثم اتجهت نحو جسر ساربروكن.

على الطريق حاولت أحمالي ان تنهاني عن مشواري بإحداث بعض الجلبة مذكرة اياي بفضلها عليَّ وبأني دونها لن استطيع الاستمرار، ولأن الانحناءة التي أعاني منها تفيد عكس ذلك، شددت وثاق الحقيبة إلى معصمي كي لا أتيح لها مجرد التفكير بأني من الممكن أن أتخلى عن قراري.

بدأ البرد القارس ينخر ظهري فالثلج لم يتوقف منذ يومين والمكان بدا أشبه بفريزا، لكن ما جعلني اعتقد بأن كل شيئ سيتم بنجاح هو خلو الجسر من المارة لدرجة عدم وجود أية خطوات مرسومة عليه سواء ذهاباً أو إيابا، فأنا أريد القيام بما نويت عليه دون شهود.

كانت طبقة خفيفة من الجليد قد تشكلت على سطح النهر لدرجة أن البط كان يتنقل على سطحه سيراًعلى الأقدام وهذا ما أقنعني مجدداً أن كل شيئ سيسير على ما يرام،
بصعوبة بالغة رفعت الحقيبة حتى أعلى الحاجز الحديدي، ثم ألقيت بها نحو نهر الجليد.

دون أن أنتبه إلى الوثاق الذي يربط معصمي بها فهويت معها إلى قاع النهر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s