اليسار مأزوم من الثورة السورية

ثامر
اليسار مأزوم من الثورة السورية

ثامر الجهماني لــ زي بوست

إن الثورة بالمفهوم اليساري هي عمل جماهيري واسع و ليس عمل لنخبة ما، والجماهير الواسعة الثائرة لها انتماءات اجتماعية وسياسية متنوعة، فاحد شروط التحول الثوري هو التغلب على هذا التفاوت. فما هو اليسار؟
اليسارية واليسار عبارة عن مصطلح يمثل تياراً فكرياً وسياسياً يسعى لتغيير المجتمع إلى حالة أكثر مساواة بين أفراده.. ويرجع اصل مصطلح اليسارية إلى الثورة الفرنسية عندما أيد عموم من كان يجلس على اليسار من النواب التغيير الذي تحقق عن طريق الثورة الفرنسية، ذلك التغيير المتمثل بالتحول إلى النظام الجمهوري والعلمانية.
من الناحية السياسية يجب أن نتعلم درساً مهماً وهو: مهما بلغ الشخص من درجات النضج والكمال فانه لا يستطيع أن يقود لوحده بلداً إلى شاطىء الامان. لا بديل عن الديمقراطية، وعن حياة سياسية وحزبية تستقطب المناهج والمواقف والافكار المختلفة .. الثورة السورية ثورة، تطاول خصومها وداعميها معاً، فارضة على الجميع ضرورة إعادة التفكير بمنطلقاتهم. وهي إذا قضت على جماعة الممانعة وأفكارهم الرثة، كما كتب كثيرون، فإنها لم تعفِ أيضاً من آثارها داعميها من أهل المعارضة بكل انتماءاتهم.
فالثورة السورية كسرت عدداً من المفاهيم والأفكار وفضحت الكثير من المستور، ما لم يحدث مع الثورات العربية الأخرى التي، على الرغم من أهميتها، لم تحطّم القوالب الفكرية التي سيطرت على السياسة العربية كما فعلت الثورة السورية.
فمن الأسئلة والتحدّيات التي تواجه يساريي الثورة ما يتعلّق بالموقف من الإمبريالية. فهذا المفهوم شكّل أساس الموقف من الغرب ومن الداخل العربي أيضاً، عبر تلخيصه الصراع كمواجهة مطلقة بين قاهر ومقاوم. لقد صدق يساريو الثورة عندما رفضوا ابتزاز ثنائية الحرية والمقاومة أو الإمبريالية والممانعة، غير أنّ ضحية ذلك الموقف المشرّف كان مفهوم الإمبريالية نفسه، الذي لم يعد قادراً على تأطير السياسة وتفسيرها. فماذا يعني أن تكون «الإمبريالية» إلى جانب الشعب المقموع، وأن تكون قضية شريفة وتقدّمية محمية من «قوى إمبريالية»، وإن كان الدعم لفظياً حتى الآن؟
وإذا رفضنا، كما رفض يساريو الثورة، مقولة إن الحراك السوري صنيعة الاستخبارات الأميركية، فهذا يقتضي إعادة النظر في مفهوم «الإمبريالية»، وفصله عن ثنائية التقدّمية والرجعية، واستبداله بفكرة المصالح الدولية، البعيدة عن الأخلاقية والخلاصية والمواقف المطلقة والتي تكسر فكرة الاصطفافات الدولية الموروثة من الحرب الباردة، وإن حُدّثت بدول جديدة.
أما الموضوع الشائك لدى اليسار والذي يسبب حساسية ترقى لموقف العداء لدى الاسلام السياسي يخشى بعض اليساريين من أسلمة الثورة السورية، مما دفع بهم إلى معاداتها في بعض الأحيان، أو إلى عدم الوقوف إلى جانبها. لذلك نجد البعض النخب اليسارية اخذت موقفاً متطرفاً باعتباره موقفاً براغماتياً مصلحياً بالمفهوم الحزبي والفكري الضيق، مما دفعهم للوقوف إلى جانب النظام السوري الذي يقتل شعبه ليلاً نهاراً، فيما لا يرى المجازر التي يرتكبها ذلك النظام بحق أبناء بلده، وجلَ ما يفعله هو التأكيد على أن ما يجري في سوريا هو مؤامرة إمبريالية يجب إفشالها، وأن الثوار والمتظاهرين هم عملاء للإمبريالية والصهيونية.
إن لليسار حساسيتين أخلاقيتين، بصرف النظر عن التأويلات والتفسيرات والتلفيقات. الأولى هدفها طمأنينة النفس بأن التاريخ والخير والجمال والحقيقة في مكان واحد، يقابله شر مطلق. مما يجعل إماكنية الالتقاء مع التيار الديني الذي يعتبر الصراع دائما بين خير وشر ، ظلم وعدل، يجد تربة خصبة يجب الاشتغال عليها من وجهة نظري على الاقل.
يتميز اليسار العربي بميزتين، واحدة تتحدد سلباً برفض القوالب القديمة لليسار التقليدي، القوالب التطبيقية النمطية للنظرية الماركسية، أي اللينينية، والستالينية، والماوية، والتروتسكية إلخ. والميزة الثانية تتحدد إيجاباً بتأييد ودعم الحراكات الشعبية في كل مكان في العالم بغض النظر عن الأفكار والمخزونات الثقافية التي تحملها هذه الحراكات الشعبية، طالما أن المحرك الأساسي للثائرين والمنتفضين هو مفاهيم وقيم الحرية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان، قبل الرغيف، أو بالإضافة إليه. وهو إذ يحدد هويته السياسية بانتمائه إلى اليسار كتيار مدني علماني، والوضع الجديد يتطلب إعادة صوغ للموقف السياسي واستبدال «المخيّلة الثورية» بسياسة يسارية، تكون الدولة الحجر الأساس فيها.
وهذا يفرض البحث عن لغة جديدة لا تساوي بين «القتل الممانع» وكل مساوئ القوى الأخرى التي تحاول معارضته، وكأنّ القتل مجردّ موقف سياسي، يساوي النيو-ليبرالية أو غيرها من التهم.
بالمطلق الموقف اليساري من الثورة متردي ومتراجع، عن القيم المعتمدة، مما ساعد على إراقة دماء جديدة على يد عدو الأمس حليف اليوم اختباءاً خلف ستار الوطن بخطر الامبريالية، والقوى العاملة والمقاومة الثورية الى آخره ..اليسار مأزوم من الثورة السورية. إنها وجهة نظر قابلة للنقاش.
ملاحظة انا لست منتمياً لأي اتجاه سياسي. ولن

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s